أ.د. محمد بن عبدالله العضاضي
تُطلق عديد من المبادرات بين الحين والآخر وهي تحمل عناوين براقة في مجالات الابتكار والبحث العلمي؛ مسابقات، وحاضنات، ومسرعات أعمال، وبرامج تمويل، ومعسكرات تدريبية. ورغم أهمية هذه الجهود، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أين تتجه كل هذه المبادرات؟ وهل تقود بالفعل إلى بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار، أم أنها تنتهي بانتهاء الفعالية؟
لم يعد العالم اليوم يقيس نجاح منظومات البحث والابتكار بعدد المؤتمرات التي تُعقد أو بعدد المبادرات التي تُعلن، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة، والأفكار إلى منتجات، والبحوث إلى حلول تسهم في معالجة التحديات الاقتصادية والمجتمعية. فالمبادرة الناجحة ليست تلك التي تجذب أكبر عدد من المشاركين، وإنما تلك التي تخلق أثراً مستداماً يمكن قياسه ومتابعته.
وفي السعودية، تمثل رؤية 2030 إطاراً طموحاً لإعادة تشكيل منظومة البحث والتطوير والابتكار لتصبح محركاً رئيساً للتنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة. ومن هنا، فإن المبادرات البحثية والابتكارية مطالبة بأن تتجاوز الطابع الاحتفالي أو الموسمي، وأن ترتبط بالأولويات الوطنية في مجالات مثل الصحة، والطاقة، والمياه، والاستدامة البيئية، والتقنيات المتقدمة، والأمن الغذائي، والصناعة المستقبلية، والدفاع، والأمن.
ومن أبرز التحديات التي تواجه عديدا من هذه المبادرات أنها تبدأ من الحل قبل أن تفهم المشكلة. فالابتكار الحقيقي لا ينطلق من الرغبة في إنتاج فكرة جديدة فحسب، بل من فهم عميق للاحتياجات والتحديات القائمة. ولذلك، ينبغي أن يعتمد تصميم المبادرات على البيانات والأدلة، وأن يشارك فيه المستفيدون النهائيون منذ المراحل الأولى لضمان أن تكون المخرجات ذات قيمة فعلية وقابلة للتطبيق.
كما أن نجاح المبادرات البحثية لا ينبغي أن يُقاس بعدد الأوراق العلمية المنشورة فقط، بل بما ينتج عنها من براءات اختراع، وتقنيات قابلة للتطبيق، وشركات ناشئة، وفرص استثمارية، وسياسات مبنية على الأدلة. فالبحث العلمي الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يفقد جزءاً مهماً من أثره، تماماً كما أن الابتكار الذي لا يستند إلى معرفة راسخة يبقى مجرد فكرة عابرة.
ولعل أحد الجوانب التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي هو دور القطاع غير الربحي في منظومة الابتكار الوطنية. فالجمعيات المتخصصة في توطين الابتكار والبحث والمعرفة يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في اكتشاف المواهب، وبناء القدرات، ونشر الثقافة العلمية، وربط الباحثين بالمجتمع والقطاع الخاص، وتحويل احتياجات المجتمع إلى فرص بحثية ومشاريع ابتكارية ذات أثر. إن هذه الجمعيات قادرة على أن تكون جسراً بين المعرفة والتطبيق، وبين الباحث وصانع القرار، وبين الفكرة وسوق العمل.
فالابتكار بطبيعته عمل تشاركي، والحلول الكبرى لا تُبنى داخل جدران المؤسسات المنعزلة. وتجارب الدول المتقدمة تثبت أن الشراكات العابرة للتخصصات والقطاعات هي الأكثر قدرة على إنتاج معرفة مؤثرة وتقنيات تنافسية. ولذلك، فإن التكامل بين الجامعات، والمراكز البحثية، والقطاع الخاص، والقطاع غير الربحي، لم يعد خياراً، بل ضرورة لتحقيق مستهدفات التنمية الوطنية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، تتوافر فرص غير مسبوقة لتسريع دورة الابتكار، واكتشاف أنماط جديدة في البيانات، وتحسين كفاءة البحث العلمي. إلا أن التقنية وحدها لا تكفي؛ إذ تبقى الحاجة قائمة إلى تنمية رأس المال البشري، وترسيخ ثقافة الفضول العلمي، وتشجيع الباحثين والمبتكرين على خوض المخاطر المحسوبة، وتقبّل الفشل باعتباره جزءاً أصيلاً من رحلة التعلم والاكتشاف.
إن مستقبل المبادرات في الابتكار والبحث العلمي يجب أن ينتقل من التركيز على عدد الأنشطة إلى جودة المخرجات، ومن قياس الإنجازات قصيرة المدى إلى بناء أثر طويل الأمد. فالمبادرات التي ستصنع الفرق هي تلك التي تمتلك رؤية واضحة، وتستند إلى احتياج حقيقي، وتتبنى مؤشرات أداء قابلة للقياس، وتسهم في بناء قدرات وطنية مستدامة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال ليس: كم مبادرة أطلقنا؟ بل: كم مشكلة استطعنا أن نحل؟ وكم معرفة نجحنا في تحويلها إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية؟ وكم موهبة استطعنا أن نرعاها لتصبح مشروعاً وطنياً واعداً؟ فعندما يصبح الابتكار وسيلة لمعالجة التحديات، ويصبح البحث العلمي أداة لصناعة المستقبل، وتتحول المبادرات إلى استثمارات في الإنسان والمعرفة، عندها فقط نكون قد انتقلنا من ثقافة "إطلاق المبادرات" إلى ثقافة صناعة الأثر؛ وهو التحول الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.
أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية
