رغم التراجع الذي شهدته مؤشرات سوق الأسهم السعودية "تداول" خلال الأسبوع المنتهي في 17 سبتمبر 2026، حيث هبط المؤشر الرئيسي "تاسي" بنسبة 2.08% ليستقر عند 10777.94 نقطة، وتراجع المؤشر الموازي "نمو" بنسبة 1.08% ليغلق عند 21398 نقطة، إلا أن هذه التقلبات القصيرة لا تعكس بالضرورة تغيراً جوهرياً في الصورة الاستثمارية العامة للسعودية.
فحركة البيع التي طالت أسهماً كبرى مثل الراجحي ومعادن وسابك تندرج غالباً في إطار جني الأرباح وإعادة توزيع المحافظ، وليست مؤشراً على تراجع الثقة بالاقتصاد السعودي الذي يستمر في إظهار مقومات هيكلية قوية تجعله وجهة جاذبة للاستثمار على المديين المتوسط والطويل، وهو ما تؤكده سلسلة من التقارير والمؤشرات الدولية الصادرة أخيراً.
فعلى صعيد التصنيفات التنافسية العالمية، حققت السعودية المرتبة 13 عالمياً من أصل 70 دولة في تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، بعد أن تقدمت السعودية 4 مراتب في نسخة عام 2026، مدعومة بتقدم الأداء في جميع المحاور الرئيسة للتقرير المتمثلة في الأداء الاقتصادي والكفاءة الحكومية وكفاءة الأعمال والبنية التحتية، إضافة إلى التقدم في 15 محوراً فرعياً من أصل 20 محوراً، وهو ما جعلها في المرتبة الثالثة بين دول مجموعة العشرين.
وعلى صعيد التوقعات الاقتصادية، توقع البنك الدولي في أحدث إصدار من تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية لشهر يونيو 2026 نمو اقتصاد المملكة خلال عام 2026 بنسبة 3.1%، على أن يتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.9% في 2027. كما جاءت السعودية في مقدمة الاقتصادات العربية خلال عام 2026 بحسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، والذي أشار إلى أنها جاءت في المركز السادس عشر عالمياً، في إشارة إلى استمرار قوتها الاقتصادية وقدرتها على الحفاظ على موقع متقدم بين الاقتصادات الكبرى.
وأوضح التقرير أن السعودية تستفيد من تنوع مصادر دخلها وتحسن مؤشرات النمو، وهو ما ساعدها في الحفاظ على استقرار اقتصادي نسبي مقارنة بتقلبات الأسواق العالمية.
أما على صعيد قدرة الاقتصاد السعودي على الصمود أمام التحديات الجيوسياسية، فقد أشاد تقرير دولي حديث بمتانة الاقتصاد السعودي، حيث أبرز كفاءة التخطيط طويل المدى والاستثمار المسبق في البنية التحتية، ومن ذلك خط الأنابيب الشرقي-الغربي الذي يمكن أن يستوعب نحو 7 ملايين برميل يومياً من النفط الخام إلى ميناء ينبع، وهو ما أسهم في الحد من تأثير التوترات الإقليمية في الصادرات والإيرادات.
كما أكد التقرير أن السعودية تمتلك حيزاً مالياً كافياً لدعم الاقتصاد في حال طال أمد التوترات الجيوسياسية، مستنداً إلى انخفاض الدين الحكومي ووفرة الاحتياطيات والأصول السيادية المعتبرة، مشيراً إلى أن صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي السعودي بلغ نحو 437 مليار دولار.
وتمثل رؤية السعودية 2030 حجر الأساس في تحول الاقتصاد السعودي بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط. فمن خلال تطوير قطاعات واعدة كالسياحة والترفيه والصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية والتقنية، تُفتح آفاق استثمارية جديدة كلياً في مجالات لم تكن تاريخياً جزءاً أساسياً من التركيبة الاقتصادية للمملكة.
وتترجم هذه الرؤية على أرض الواقع عبر مشاريع عملاقة مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، وروشن، والتي تضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والعقار والسياحة، وتمتد آثارها لتشمل عشرات القطاعات الفرعية من المقاولات إلى الخدمات المالية والتجزئة.
وعلى الصعيد التنظيمي، نفّذت السوق المالية السعودية سلسلة من الإصلاحات المتتالية شملت تسهيل دخول المستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين، ورفع الحدود القصوى للملكية الأجنبية في عدد كبير من القطاعات، إلى جانب تطوير آليات التسوية والحوكمة بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وقد أثمرت هذه الجهود عن إدراج "تداول" ضمن مؤشرات عالمية بارزة مثل MSCI وFTSE Russell، وهو ما يمنح السوق السعودية مصداقية إضافية أمام المستثمرين المؤسسيين حول العالم ويسهّل تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إليها.
وتُعد السوق السعودية من أكبر أسواق الأسهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث القيمة السوقية وعدد الشركات المدرجة، مدعومة بوجود عملاق طاقة عالمي كأرامكو السعودية، ما يمنحها عمقاً وسيولة يفوقان كثيراً من الأسواق الناشئة المماثلة، ويسهّل دخول وخروج المستثمرين المؤسسيين بأحجام كبيرة دون التأثير الحاد في الأسعار.
يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد السعودي يتميز بقاعدة سكانية شابة ومتنامية، ترافقها معدلات إنفاق استهلاكي مرتفعة، ما يدعم قطاعات حيوية كالتجزئة والرعاية الصحية والتعليم والاتصالات.
وتفتح برامج الخصخصة، إلى جانب تحفيز الاستثمار المباشر عبر صندوق الاستثمارات العامة وشراكات القطاعين العام والخاص، الباب أمام إدراجات جديدة وفرص استحواذ متعددة، ما يعزز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الإنفاق الحكومي.
ويُضاف إلى هذه المقومات موقع المملكة الجغرافي الاستراتيجي كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، والذي يمنحها فرصاً واسعة في قطاعي اللوجستيات والتجارة.
تجتمع هذه المؤشرات الدولية - من تصنيفات تنافسية متقدمة، وتوقعات نمو إيجابية من مؤسسات مالية عالمية كبرى، وشهادات على متانة الاقتصاد وقدرته على الصمود - لتؤكد استمرار الاهتمام المؤسسي والأجنبي بالسوق السعودية على المدى الطويل، رغم ما قد يعتريها من تقلبات أسبوعية أو شهرية قصيرة.
مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية سابقا، ومستشار إعلامي.

