د. نوف البلوي
الكربون لم يعد رقمًا في معادلات المناخ أو بندًا في الاتفاقيات البيئية، بل أصبح جزءًا من الاقتصاد، له سعر يُتداول وسوق تتشكل حولها مصالح واضحة. لم يعد النقاش يدور فقط حول خفض الانبعاثات، بل حول ما يمكن أن ينتج عن هذا الخفض من قيمة قابلة للقياس والتداول والاستثمار.
ويظهر هذا التحول بشكل واضح عند المقارنة بين تجربتي الاتحاد الأوروبي والهند، حيث لا يكمن الفرق في وجود سوق للكربون، بل في الطريقة التي تُبنى بها هذه السوق والدور الذي تؤديه داخل الاقتصاد.
عندما أطلق الاتحاد الأوروبي نظامه لتداول الانبعاثات في 2005، كان الهدف تنظيميًا بالدرجة الأولى. الشركات تعمل ضمن سقف محدد، والالتزام هو المحرك الأساسي. في ذلك الوقت، لم يكن هناك حديث عن “اقتصاد كربون” بالمعنى الاستثماري المتداول اليوم. لكن مع مرور السنوات، بدأ هذا الإطار التنظيمي ينتج واقعًا مختلفًا؛ أصبح للكربون سعر، وتطورت أدوات مالية حوله، واتجهت الاستثمارات نحو الطاقة النظيفة.
هذا التحول لم يكن نتيجة تصميم اقتصادي مسبق، بل جاء مع الوقت، مدفوعًا باستمرار التنظيم وقوته. يمكن القول إن القانون في أوروبا هو من صنع السوق، ثم جاءت السوق لتفتح المجال لاقتصاد لم يكن في صدارة التفكير عند البداية.
في المقابل، تدخل الهند هذا المجال من زاوية مختلفة. فقد أطلقت منصتها المركزية لتداول الكربون في مارس 2026 ضمن توجه يسعى إلى بناء سوق وطنية لا تُفهم فقط في سياقها البيئي، بل كفرصة اقتصادية. ومع إدراج نحو 490 شركة ضمن التزامات مرتبطة بكثافة الانبعاثات، واعتماد أنظمة رقمية للتحقق، تحاول الهند بناء سوق منظمة وقابلة للتوسع تجذب الثقة منذ البداية.
هنا لا يقتصر الهدف على تنظيم الانبعاثات، بل يمتد إلى توجيه الاستثمار نحو قطاعات مثل الهيدروجين والطاقة الحيوية، وإيجاد مساحة يمكن أن يتحرك فيها رأس المال.
هذا الفرق بين سوق نشأت من التنظيم في أوروبا وسوق تُبنى مع أخذ البعد الاقتصادي في الاعتبار في الهند، يفتح الباب أمام أسئلة قانونية مهمة. عندما يصبح الكربون أصلًا يُتداول، ما طبيعته القانونية؟ هل هو حق تنظيمي تمنحه الدولة، أم أصل يمكن تملكه والتصرف فيه؟ ومع توجه الدول لربط أسواقها بأنظمة دولية، تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع السيادة التنظيمية، وقد تجد الدول نفسها أمام خيارات محدودة عند محاولة تعديل سياساتها إذا كانت هناك استثمارات قائمة مرتبطة بهذه الأسواق.
ما نراه اليوم ليس مجرد توسع في أسواق الكربون، بل تغير في طريقة التعامل معها. لم يعد هناك نموذج واحد، بل مسارات مختلفة تبرز أولويات كل دولة. أوروبا بنت سوقًا انطلقت من التنظيم، والهند تحاول بناء سوق تأخذ الاقتصاد في الحسبان منذ البداية. وبين هذين المسارين، يتشكل تدريجيًا اقتصاد يقوم على تسعير الانبعاثات وتحويلها إلى قيمة.
في النهاية، لم تعد المنافسة بين الدول تدور فقط حول من يخفض الانبعاثات، بل حول من يستطيع أن يبني السوق التي تعطي لهذا الخفض قيمته.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
