لفت نظري خلال متابعتي لمؤتمر بلومبرغ سكرين تايم(Bloomberg Screentime) هذا العام أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى لم يعد يقتصر على جودة الأدوات أو قدرتها على إنتاج الصور والفيديو. بل بدأ ينتقل إلى سؤال أكبر يتعلق بشكل الصناعة خلال السنوات المقبلة.
حتى الآن، ما زال استخدام الذكاء الاصطناعي داخل هوليوود محدودًا مقارنة بحجم الحديث عنه. فقد قدرت Deloitte أن الاستديوهات الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا ستخصص أقل من 3% من ميزانيات الإنتاج في 2025 لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المستخدمة مباشرة في صناعة المحتوى. كما قد يتحول نحو 7% من الإنفاق التشغيلي إلى أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في مجالات مثل التخطيط والتسويق والترجمة وإدارة العمليات.
هذه النسب قد تبدو محدودة، لكن الأهم هو الاتجاه الذي تتحرك نحوه الصناعة.الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل مراحل مختلفة من الإنتاج. يستخدم في تطوير الأفكار الأولية وفي التصور البصري للمشاهد، أو ما يعرف بـ Storyboarding. كما يستخدم في المؤثرات والمونتاج وما بعد الإنتاج. ومع تطور هذه الأدوات، أصبح الإنتاج والتصوير أكثر سهولة وأقل تكلفة.
في السابق، كان إنتاج فيلم أو مسلسل بجودة مرتفعة يحتاج إلى رأسمال كبير وفرق متخصصة وتقنيات مكلفة. لذلك كانت القدرة على الإنتاج نفسها حاجزًا أمام الكثير من الشركات والأفراد. مع سهولة الإنتاج والتصوير، قد ترتفع أهمية عناصر أخرى داخل صناعة المحتوى. وأعتقد أن الكتابة ستكون من أهم هذه العناصر. فالعمل المرئي يبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى قصة وشخصيات وحوار وسيناريو. وبعد ذلك تبدأ بقية مراحل الإنتاج.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على صناعة المشهد أو تعديله، كما يمكنه أن يخفض الوقت والتكلفة. لكنه لا يضمن أن تكون القصة جيدة أو أن يرغب المشاهد في متابعتها حتى النهاية.
ولهذا قد تصبح جودة الكتابة والسيناريو أكثر أهمية في صناعة المحتوى خلال الفترة المقبلة. ويمكن ملاحظة ذلك في بعض التجارب الجديدة. فقد أعلنت شركة Particle 6 عن إنتاج فيلم Misaligned، الذي يعتمد على نموذج هجين يجمع بين أدوات الذكاء الاصطناعي وفريق يضم مخرجين وكتابًا ومحررين. أهمية المثال أن الذكاء الاصطناعي لم يُلغ دور الكاتب، لكنه غير بعض الأدوات المستخدمة في عملية الإنتاج.
ومع انخفاض تكلفة الإنتاج، قد تصبح هذه النقطة أكثر أهمية. فكلما أصبح إنتاج المحتوى أسرع وأسهل، زاد عدد القادرين على إنتاجه. وقد تتمكن فرق صغيرة وشركات جديدة من تنفيذ أعمال كانت تحتاج سابقًا إلى إمكانات أكبر.
لكن زيادة القدرة على الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة المحتوى الجيد. عندما يصبح إنتاج صورة جيدة متاحًا لعدد أكبر، لن تكون جودة الصورة وحدها كافية للتميز. سيصبح التنافس أكثر على الفكرة والقصة والشخصيات وطريقة سردها.
وهذا قد يرفع أهمية الكاتب وكاتب السيناريو. فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل مجال الكتابة، لكنه لا يلغي أهمية الفكرة أو جودة السيناريو. ومع انخفاض تكلفة بقية مراحل الإنتاج، قد يصبح تأثيرهما أكثر وضوحًا في النتيجة النهائية.
وفي الإنتاج المرئي قد تصبح صناعة الصورة أسهل، لكن بناء قصة جيدة سيبقى أكثر صعوبة. ولهذا قد يتغير موقع الكاتب داخل الصناعة خلال السنوات المقبلة، ويصبح دوره أكثر أهمية في تشكيل العمل من بدايته. الذكاء الاصطناعي قد يجعل صناعة الصورة أسهل. لكن ذلك قد يجعل الكتابة أكثر أهمية. وفي صناعة يزداد فيها عدد القادرين على الإنتاج، قد تبدأ الميزة الحقيقية من الفكرة ومن القدرة على تحويلها إلى قصة تستحق المشاهدة.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
