الخميس, 8 أكتوبر 2026|25 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


آندي هوم

القصدير هو المعدن الذي يرفض العودة إلى المستويات السعرية السابقة.لقد تضاعفت أسعار القصدير بأكثر من الضعف على مدى السنوات الثلاث الماضية، متفوقةً بذلك على بقية المعادن المتداولة في بورصة لندن للمعادن ، بما في ذلك النحاس الذي حظي باهتمام إعلامي واسع.

يجري تداول عقود القصدير لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن عند مستويات تفوق 50 ألف دولار للطن المتري منذ شهر يونيو. وقبل هذا العام، كان أعلى مستوى سعري تاريخي قد سُجل لفترة وجيزة عند 51 ألف دولار للطن في مارس 2022، وذلك عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا مباشرة. يعكس هذا النمط السعري الجديد الثورة الهادئة التي طرأت على استخدامات القصدير خلال العقود القليلة الماضية.

فالمعدن الذي ارتبط تاريخياً بعبوات الصفيح (علب القصدير) البسيطة، أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للإنترنت من خلال استخدامه في عمليات لحام لوحات الدوائر الإلكترونية. لم تعد عبوات الصفيح تشكل سوى نحو 11% من إجمالي استخدامات المعدن، في حين تمثل مواد اللحام أكثر من نصف الطلب العالمي عليه.

وسواء تعلق الأمر بالهواتف الذكية أو الطائرات المسيرة (الدرونز)، فإن أي جهاز يحتوي على أسلاك وتوصيلات كهربائية يحتوي بالضرورة على القصدير.ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحتوي على كميات هائلة من هذه الأسلاك والتوصيلات.

القدرة الحاسوبية

تشهد الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي طفرة غير مسبوقة، تفوق في حجمها طفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر وطفرة شركات الإنترنت (دوت كوم) في القرن العشرين، حتى بعد تعديل الأرقام لمراعاة التضخم.وتُقدّر مؤسسة الأبحاث "بي إم آي"  أن النفقات الرأسمالية ستصل إلى 785 مليار دولار هذا العام.

كما تشير توقعات شركة "بي دبليو سي"إلى أن إجمالي الإنفاق العالمي على مراكز البيانات وحدها قد يتجاوز 30 تريليون دولار بحلول عام 2050.

وتترجم المنافسة المحتدمة للحصول على قدرات حاسوبية هائلة ومتزايدة إلى نمو هائل في مبيعات أشباه الموصلات.

فقد ارتفعت قيمة المبيعات العالمية لأشباه الموصلات لمدة 18 شهراً متتالياً، وفقاً لبيانات "رابطة صناعة أشباه الموصلات". بلغت المبيعات في شهر أغسطس 160 مليار دولار، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 8% على أساس شهري و144% على أساس سنوي. وتُسجّل الولايات المتحدة أسرع معدل نمو، تليها عن كثب الصين وبقية دول آسيا.

وأياً كانت الوجهة النهائية لتلك الرقائق الإلكترونية (أشباه الموصلات)، فإنها ستحتاج إلى كمية ضئيلة من القصدير لتثبيتها على لوحة الدائرة الكهربائية.

جسر القصدير

يحتاج كل جيجاوات من القدرة المركبة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى ما يتراوح بين 1200 و1500 طن من القصدير؛ وهي كمية تفوق بثلاثة أضعاف ما يُستخدم في مراكز البيانات التقليدية، وذلك وفقاً لأبحاث أجرتها مؤسسة "شنغهاي لمؤشرات المعادن" (Shanghai Metals Market).

يُعد هذا تحولاً هيكلياً.

تستهلك الخوادم التقليدية نحو 500 كيلوغرام من القصدير للوحدة الواحدة، بينما تحتاج خوادم الذكاء الاصطناعي إلى ما يصل إلى 4-5 أطنان من القصدير. ويتطلب مركز حوسبة للذكاء الاصطناعي يضم 10 آلاف بطاقة معالجة ما بين 2.5 و3.2 طن من مواد اللحام المستخدمة في لوحات الدوائر المطبوعة وحدها.وكلما زادت تعقيدات بنية مركز البيانات، زادت الحاجة إلى القصدير لربط المكونات ببعضها البعض. يظل القصدير -في الوقت الراهن على الأقل- الجسر الكهربائي والمادي الجوهري لتعزيز القدرات الحوسبية.

لقد أمضى قطاع الإلكترونيات سنوات في محاولة تقليل استهلاك القصدير، مما لم يترك مجالاً كبيراً لمزيد من الترشيد في استخدامه. ويتمثل التهديد الحقيقي الوحيد في الأفق في تقنية "الربط الهجين" (hybrid bonding)، إلا أن مؤسسة "شنغهاي لمؤشرات المعادن" لا تتوقع أن يكون لهذه التقنية تأثير ملموس قبل العقد المقبل.

مستويات قياسية جديدة

في حين يتغنى المتفائلون بسوق النحاس بآفاق الطلب المتزايد على هذا المعدن بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن القصدير يشهد بالفعل تأثيرات قوية مماثلة.كما يستفيد المعدن من تسارع مبيعات السيارات الكهربائية في كل مكان تقريباً خارج الولايات المتحدة؛ إذ تحتوي السيارات الكهربائية على شبكات أسلاك تفوق بكثير تلك الموجودة في السيارات التقليدية التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، وهو ما يعني بطبيعة الحال زيادة في عمليات اللحام باستخدام القصدير.

وتساعد هذه العوامل الجديدة المحركة للطلب في تفسير سبب تداول القصدير حالياً عند مستويات سعرية لم يسبق لها مثيل -بالمعنى الحرفي للكلمة- حتى مطلع هذا العام. يتمثل الجانب الآخر من المعادلة في سلسلة توريد القصدير التي تعاني من مشاكل، إذ تتركز بشكل كبير لدى عدد محدود من الجهات الفاعلة، وتعمل العديد منها في مناطق ذات مخاطر عالية مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وولاية "وا" (Wa) ذاتية الحكم في ميانمار.

لقد سارت عمليات الإنتاج بسلاسة نسبية هذا العام - وفقاً لمعايير القصدير التي تتسم عادةً بتقلبات حادة - إلا أن المخزونات المرصودة واصلت تراجعها الهادئ.وقد انخفض إجمالي المخزونات المسجلة لدى بورصة لندن للمعادن  - بما في ذلك المعدن غير الخاضع لنظام الضمانات (off-warrant) - وتلك المسجلة في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، من ذروة بلغت 22,600 طن في فبراير إلى 13,100 طن.

وبدأت فروق الأسعار الزمنية (time-spreads) في بورصة لندن للمعادن تتفاعل مع هذا الوضع؛ إذ جرى تداول القصدير الفوري (للتسليم الفوري) بخصم سعري كبير تجاوز 400 دولار للطن مقارنة بعقود التسليم بعد ثلاثة أشهر في بعض أوقات يوليو، قبل أن يتقلص هذا الفارق لاحقاً ليصل إلى 105 دولارات للطن . ومع تزايد شح المعروض في السوق، سنرى إلى أي مدى يمكن أن يمضي القصدير في مسار مجهول المعالم.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية