الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


د. مسفر الجار الله

عندما كنت أدرس الدكتوراه في المملكة المتحدة بمدينة إدنبرة مطلع 2014، كان اختيار موضوع الدكتوراه يشغل تفكيري بشكل كامل. فالدكتوراه في جوهرها ليست سوى البحث عن “مشكلة” علمية حقيقية، فإذا وجدت المشكلة المناسبة فقد أمسكت بالخيط الذي سيقودك في النهاية إلى باب الدكتوراه. وبعد عام ونصف تقريبًا من القراءة والاطلاع اخترت موضوعًا يتعلق بحقن المياه في حقول النفط والمشكلات التي قد تصاحب عمليات الحقن، وهي عملية بالغة الأهمية للمحافظة على ضغط المكامن متوازنًا لضمان استمرار إنتاج النفط بكفاءة.

وكان لدي مشرفان؛ أحدهما روسي الأصل وهو مشرفي الرئيسي، والآخر اسكتلندي، وكانا من أبرز المتخصصين عالميًا في مجال الآبار الذكية.

وقد لاحظت منذ البداية أن مشرفي الرئيسي لم يكن متحمسًا كثيرًا لموضوعي، لكنه في الوقت نفسه كان حريصًا على عدم التدخل في مسار دراستي، خصوصًا أنني كنت باحثًا مستقلًا أحمل منحة مستقلة من وطني المملكة العربية السعودية، وهو أمر منحني قدرًا كبيرًا من الحرية والمرونة في اختيار مساري البحثي.

ولذلك سأظل دائمًا مدينًا لوطني على هذا الدعم السخي الذي أتاح لي فرصة البحث والتعلم بهذه الاستقلالية. وفي أحد الأيام تلقيت اتصالًا من مشرفي يطلب حضوري إلى مكتبه، وهو أمر لا يحدث كثيرًا في نظام الدكتوراه البريطاني، الذي يقوم أساسًا على استقلالية الباحث وتقليل تدخل المشرف في تفاصيل مسار البحث العلمي.

عندما وصلت أخبرني أن شركة كندية تُدعى Husky Energy تمتلك حقولًا بحرية في المحيط الأطلسي قبالة الساحل الكندي، وأنها مهتمة جدًا بموضوع بحثي وترغب في الاجتماع معي لمناقشة التحديات التي تواجهها في حقولها النفطية وإمكانية تضمين بعض هذه التحديات في بحث الدكتوراه. وخلال الاجتماع شرحوا لي أنهم يمتلكون حقلًا “كبيرًا نسبيًا” ويعانون ضعف كفاءة عمليات حقن المياه، وهو ما يكلفهم عشرات الملايين من الدولارات ويؤثر في معدلات الإنتاج المستهدفة. فسألتهم عن حجم الحقل، فأجابوا بأنه يبلغ نحو 10 كيلومترات طولًا و4 كيلومترات عرضًا.

ضحكت حينها دون قصد، ولاحظوا دهشتي، فاعتذرت منهم وقلت: “اعذروني… لكن هذا لا يُعد كبيرًا بالمعايير السعودية”. ثم بدأت أحدثهم عن المملكة، وعن حقولها العملاقة، وعن أكبر حقل نفطي بري في العالم… حقل الغوار. وهنا يقودنا الحديث إلى الغوار… سيد حقول النفط في العالم، والحقل الذي لطالما ارتبطت به عاطفيًا قبل أي شيء آخر.

فالغوار بالنسبة لي ليس مجرد حقل نفطي عملاق أو رقم هندسي مدهش، بل جزء من الذاكرة الشخصية والعائلية. فمنذ طفولتي اعتدت المرور بمناطقه عندما كنا نسكن في منطقة عين دار لعدة سنوات، كما أن والدي وعددًا كبيرًا من أقاربي عملوا في هذا الحقل منذ خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولا يزال ارتباط عائلتي به مستمرًا حتى اليوم.

ويمتد حقل الغوار لمسافة تقارب 240 كيلومترًا، وبعرض يتراوح بين 30 و40 كيلومترًا تقريبًا، وهو حجم يصعب تخيله حتى بالنسبة لكثير من العاملين في صناعة النفط حول العالم. فهذا الحقل لا يوجد له مثيل على مستوى العالم، لا من حيث الحجم فحسب، بل أيضًا من حيث خصائصه الجيولوجية والإنتاجية الفريدة التي جعلته لعقود طويلة أعظم حقل نفطي بري عرفه العالم.

ويبدأ الغوار من منطقة فزران الواقعة على طريق الرياض–الدمام السريع غرب الظهران بنحو 130 كيلومترًا، ثم يمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي مرورًا بعين دار وشدقم والعثمانية والحوية وصولًا إلى حرض في الجنوب، وكأنه شريان هائل يمتد تحت صحراء المملكة لعشرات الكيلومترات. ويضم هذا الحقل العملاق عددًا من أهم مرافق الإنتاج والمعالجة في المملكة، مثل معامل شدقم والعثمانية والحوية وحرض، وهي مرافق تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الطاقة السعودية والعالمية. ويعتقد البعض أن بقيق جزء من الغوار، لكن في الحقيقة الغوار يمر بمحاذاة بقيق من الجهة الغربية، بينما تُعد بقيق مركز المعالجة الرئيسي الذي تمر عبره كميات ضخمة من إنتاج الحقل قبل فصل الغاز ومعالجة النفط وتصديره.

وينتج الغوار ما بين 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 5 إلى 6% من إنتاج النفط العالمي، وهي كمية هائلة من حقل واحد فقط. ولا يقتصر الأمر على النفط، بل ينتج أيضًا كميات ضخمة من الغاز المصاحب الذي تتم معالجته واستخدامه كلقيم لصناعات البتروكيماويات أو لتوليد الكهرباء داخل السعودية.

ورغم كل ما يُقال عن الغوار بالأرقام والإحصاءات والدراسات الهندسية، أعتقد أن عظمة هذا الحقل لا تُختصر فقط في حجمه أو إنتاجه، بل في قصص البشر المرتبطة به. فالغوار بالنسبة لي ليس مجرد مكمن نفطي تحت الأرض، بل جزء من ذاكرة الطفولة، وامتداد لحياة الإنسان السعودي، وقطعة من تاريخ السعودية الحديث الذي تشكلت حوله نهضة وطن كامل. ولذلك كلما سمعت اسم الغوار لا أراه كحقل نفطي فقط، بل أراه كقصة وطن… وكجزء من حياتي الشخصية التي مرت طرقها بين عين دار والحوية وحرض، تمامًا كما يمتد الغوار نفسه عبر صحراء المملكة العظيمة.

أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية