محمد كركوتي
ليس واضحاً، أن كانت إستراتيجية تخزين الغذاء على المستوى العالمي، ضرورية تماماً، خصوصاً بعد الأزمة التي جلبتها جائحة "كورونا" مطلع العقد الحالي. لكن مؤشرات عديدة باتت تدل على أهمية النظر إلى هذه المسألة، وكأن مصيبة كبرى ستقع على الساحة الدولية. تخزين الغذاء بشكل عام، يتسبب عادة في ارتفاع أسعاره، لأنه يقلل وجود السلع المطلوبة في الأسواق، ولا سيما إذا كان هذا التخزين ليس إستراتيجيًا أو مبرراً تماماً.
صحيح أن الأزمات العالمية يمكن أن تتفاقم في الفترة المقبلة، لكن حتى الآن لا تزال سلاسل التوريد عند مستويات جيدة (رغم استمرار سياسة التخزين) بعد سنوات من اضطرابات شهدتها في كل أنواع الإمدادات تقريباً، بما في ذلك السلع التي تعد إستراتيجية وتلك التي تختص بالتصنيع وغيرها.
مع نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، كانت هناك مخاوف جمة بشأن إمدادات الغذاء، وقد تأثرت هذه الإمدادات بالفعل في السنة الأولى لهذه الحرب، إلا أن الأمور استقرت فعلا، مع سد النقص من مصادر أخرى حول العالم. ساهمت التعريفات الجمركية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي شملت كل الدول تقريباً، في زيادة المخاوف بشأن الإمدادات الغذائية، ولا بد من الأخذ في الاعتبار، الإجراءات الحمائية التي باتت سمة الحراك العالمي، خصوصاً بعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض، وأسهمت هي أيضاً في رفع حدة المخاوف. وحتى اليوم، لم يشهد العالم خفضاً للتوترات الجيوسياسية، ما يزيد من المبررات التي تطرحها الحكومات من أجل الحفاظ على مخزونات إستراتيجية من الغذاء.
المسألة برمتها ليست معقدة كما تبدو. فالسوق العالمية المفتوحة البعيدة عن المخاوف والحمائية، تضمن إمدادات لكل السلع حتى في أوقات الأزمات والاضطرابات. غير أن الوضع ليس كذلك فيا لوقت الراهن، ولا سيما مع غياب المؤشرات الدالة على إمكانية هدوء التوترات على الجانب التجاري الدولي على الأقل.
المخاوف من ارتفاع وتيرة تخزين الغذاء كبيرة، وسوف تؤثر سلباً (وفق المؤسسات الدولية المعنية) في الدول الفقيرة والنامية. فبعض الدول التي تتبع حالياً سياسة التخزين، قد تقدم على التلاعب بالأسعار عبر مخزوناتها، وهذا سيرفع التكاليف على البلدان الفقيرة، اليت تعاني أصلاً من مشكلات اقتصادية متنوعة، وعلى رأسها ديونها التي لا تنتهي.
لن يعيد الوضع إلى مستويات طبيعية عموماً، إلا إذا عادت الثقة لدى الحكومات في السوق العالمية، علماً بأنه ليس من السهل عودتها، في ظل التطورات الراهنة، سواء تلك الآتية من ساحة مواجهات عسكرية هنا وهناك، وتوترات إقليمية متفاقمة، والآثار المستمرة لتعريفات ترمب، التي يسعى إلى رفعها أيضاً في المرحلة المقبلة. إنها في النهاية الثقة المفقودة في سوق تجارية عالمية تعج بالاضطرابات، والمشكلات المستعصية عن الحلول، على الأقل في الوقت الراهن.
كاتب اقتصادي
