د نوف البلوي
ليس غريبًا أن تتعثر مشاريع تبدو ناجحة ماليًا على الورق. الغريب هو أن السبب، في كثير من الأحيان، لا يكون ضعف التمويل ولا خطأ في التقديرات الاقتصادية، بل العقد الذي يحكم المشروع. وبالتحديد، طريقة استخدام العقود النموذجية، أو تجاهلها، أو التعامل معها كقوالب جاهزة لا أكثر.
في المشاريع العابرة للحدود، لا يكفي أن تكون الجدوى الاقتصادية قوية. المستثمر والممول ينظران قبل ذلك إلى الإطار التعاقدي: كيف توزَّع المخاطر؟ من يتحمل التأخير؟ ما آلية حل النزاع؟ وأي قانون سيُطبَّق؟ هنا تظهر أهمية العقود النموذجية، لا بوصفها نصوصًا قانونية، بل كأدوات اقتصادية تقلل الغموض وتحدد قابلية المشروع للتنفيذ والتمويل.
العقود النموذجية هي صيغ تعاقدية طُوِّرت عبر الممارسة الدولية لتكون مرجعًا مشتركًا بين أطراف تنتمي إلى أنظمة قانونية مختلفة. من أشهرها نماذج FIDIC في مشاريع الإنشاءات والبنية التحتية، التي تحدد بدقة مسؤوليات صاحب العمل والمقاول، وتوزيع مخاطر التصميم والتأخير، وآليات المطالبات وتسوية النزاعات. هذه العقود لا تُستخدم لأنها “قياسية” فحسب، بل لأنها مفهومة لدى البنوك وشركات التأمين، وهو ما يجعل المشروع أقرب إلى التمويل.
وفي التجارة الدولية، تلعب أدوات International Chamber of Commerce، وعلى رأسها قواعد الإنكوترمز، دورًا مشابهًا. فالاتفاق على مصطلح تسليم واحد يحدد بوضوح متى تنتقل المخاطر، ومن يتحمل النقل والتأمين، وأين تنتهي مسؤولية البائع وتبدأ مسؤولية المشتري. هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تحسم نزاعات بملايين الدولارات، وتؤثر مباشرة في تسعير الصفقة.
أما في العقود التجارية طويلة الأجل، فتُستخدم مبادئ UNIDROIT كمرجع محايد لتنظيم العلاقة بين أطراف من دول مختلفة. هذه المبادئ لا تُطبَّق بقوة القانون، لكنها تمنح الأطراف إطارًا مشتركًا لحل الخلافات حين لا تكون القوانين الوطنية متقاربة أو واضحة.
اقتصاديًا، قيمة هذه العقود لا تكمن في كونها “نماذج جاهزة”، بل في قدرتها على تقليص عدم اليقين. الغموض القانوني له كلفة، حتى إن لم تظهر في القوائم المالية. كل بند غير واضح يضيف مخاطرة، وكل نظام قانوني غير مألوف يرفع علاوة التمويل. حين تُستخدم عقود نموذجية معروفة، تنخفض تكلفة التفاوض، وتتسارع القرارات، ويصبح المشروع أو الصفقة أكثر قابلية للتنفيذ.
لكن المشكلة تبدأ عندما تُعامل العقود النموذجية كقوالب تُنسخ دون فهم. فالعقد النموذجي ليس حلًا سحريًا، ولا يصلح لكل سياق كما هو. في بعض المشاريع، يؤدي نقل نموذج عقد دون تكييفه مع البيئة التنظيمية أو طبيعة المخاطر إلى نتائج عكسية. ما يمنح وضوحًا في سياق، قد يخلق جمودًا أو اختلالًا في سياق آخر.
كما أن الحياد الظاهري لهذه العقود لا يلغي اختلال القوة بين الأطراف. الشركات والمؤسسات ذات الخبرة تعرف كيف تُدير البنود عمليًا، وكيف تستخدم آليات المطالبات والتحكيم لمصلحتها، بينما قد لا تدرك الأطراف الأقل خبرة آثار بعض الالتزامات إلا عند وقوع النزاع. هنا، لا يكون الخلل في العقد نفسه، بل في طريقة استخدامه.
وتزداد هذه الإشكالية في العقود طويلة الأجل، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. فالعقد الذي يوفر استقرارًا اليوم قد يتحول إلى عبء إذا تغيّرت الظروف الاقتصادية أو التنظيمية. لذلك، فإن استخدام العقود النموذجية بذكاء يتطلب إدخال مساحات مدروسة للمرونة، من دون الإخلال بالوضوح الذي يحتاجه المستثمر والممول.
الخلاصة أن العقود النموذجية ليست تفصيلًا قانونيًا ثانويًا، بل جزءًا من البنية التي تقوم عليها الأسواق الحديثة. نجاح المشاريع الكبرى لا يتوقف على قوة الجدوى المالية وحدها، بل على جودة الإطار التعاقدي الذي يحكمها. من دون عقد واضح، مفهوم، وقابل للتنفيذ، تبقى الأرقام مجرد تقديرات، ويبقى رأس المال مترددًا.
في اقتصاد عالمي يتسم بتقلبات متسارعة ومخاطر متداخلة، قد يكون العامل الحاسم في نجاح المشروع أو فشله هو اختيار العقد المناسب، لا حجم الاستثمار. فالجدوى المالية تفتح الباب، لكن العقد هو من يسمح بالدخول.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
