محمد كركوتي
أظهر قطاع الطيران حول العالم، قدرة فائقة على مواجهة الأزمات الكبرى، التي كان آخرها جائحة "كورونا"، وتداعياتها على الاقتصاد العالمي كله. خلال فترة الجائحة، بقيت شركات الطيران في السوق، وظلت صامدة بالرغم من تراجع السفر والتشغيل إلى أكثر من 90% في بعض الحالات، إلى جانب توقف كامل لهذا القطاع لمدد لم تكن قصيرة. الوضع اليوم قد يكون مختلفاً.
فمنذ اندلاع المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أشار الاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA إلى أن 50 مليار دولار محيت من قيمة أكبر شركات الطيران في العالم، وذلك بسبب تراجع نسب الإشغال على الرحلات، وانخفاض عددها عن المعدلات المعتادة في هذه الفترة.
الفارق بين تداعيات أزمة "كورونا"، وتلك التي جلبتها المواجهة العسكرية الراهنة في المنطقة، أن إمدادات الوقود في الأولى كانت تسير بصورة طبيعية، أما الحالة في الثانية، دفعت أسعار الطاقة إلى مستويات عالية، وهي مرشحة للارتفاع في حال طال أمد المعارك المشار إليها.
وهذا ما يشكل مخاطر كبيرة على قطاع الطيران، الذي، وإن أظهر قدرة على الصمود، إلا أنه لن يكون كذلك إذا ما ارتفعت تكاليف التشغيل، ليس فقط من جهة الوقود المتصاعد، بل أيضاً من طرف مسارات الطيران بصورة التفافية لتجنب مناطق الخطر، ما يضيف مزيدا على فاتورة الطاقة.
أسعار التذاكر تشهد بالفعل حالياً ارتفاعات متلاحقة، وإذا كان باستطاعة الشركات الكبرى التحمل لفترة معينة، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للشركات الأصغر، وتحديداً تلك التي تشغل خدمات الطيران منخفضة التكلفة.
قد تنتهي الحرب غداً، لكن آثارها ستظل ماثلة على الساحة لبعض الوقت، وتشمل كل القطاعات. وإذا لم تتبع شركات الطيران المرونة والابتكار في مرحلة ما بعد الحرب، فإن مسار التعافي المأمول سيكون طويلاً. فالمخاوف ترتفع هي الأخرى من ناحية عمق التهديدات لاستقرار هذا القطاع الحيوي. لا ضمانات لانخفاض أسعار الطاقة في حال توقف العمليات الحربية في المنطقة.
فالأسعار المرتفعة الحالية مرشحة للاستمرار لفترة أطول، مع توقعات بأنها لن تعود إلى حدود 100 دولار قبل نهاية العام الجاري، علماً بأن بعض مديري شركات الطيران الكبرى مثل "يونايتد إيرلانز"، لا يستبعدون احتمال وصول سعر البرميل إلى 175 دولار.
وفي كل الأحوال، أمام قطاع الطيران العالمي مهمة أكثر من صعبة في المرحلة المقبلة، فهو يتعرض الآن لصدمة كبيرة بعد أقل من 6 سنوات على صدمة "كورونا". هو قطاع حساس جداً لا يتأثر فقط بقيمة الوقود والخدمات والتأمين وغيرها، بل بخسارة (ولو آنية) لوجهات تعد مربحة، ما سيضيف مزيداً من الأعباء في مرحلة التعافي المقبلة.
كاتب اقتصادي
