علي الشدي
اشتهرت الجزيرة العربية قديمًا بطرقها التجارية التي كانت، ولا تزال، تربط قارات العالم وتشكل ممرًا للتجارة والتواصل الحضاري عبر الزمن. وكان الهاجس الأكبر آنذاك انعدام الأمن على امتداد تلك الطرق؛ لذا كان على من يعتزم سلوكها أن يبحث عن رفيق موثوق يصاحبه. ومن هنا جاء المثل الشهير: "الرفيق قبل الطريق".
أما اليوم، فأقول: "الطريق قبل الرفيق"؛ فبفضل الله، أصبح الأمن متوافرًا على طرق بلادنا المترامية الأطراف، وأصبحت جودة الطريق وسلامته عاملين أساسيين لضمان رحلة آمنة ومريحة مهما طالت المسافات.
وقد ترسخ الأمن على طرق السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز، رحمه الله، ما هيأ الظروف لنقلة تاريخية في البنية التحتية للطرق؛ من طرق القوافل الوعرة إلى طرق معبّدة ومصمّمة هندسيًا لاستيعاب السيارات. وجاء ذلك ضمن رؤية تنموية أدركت أهمية ربط أطراف السعودية الشاسعة، ودعم التنمية الحضرية والاقتصادية، وتيسير وصول الحجاج والمعتمرين إلى المشاعر المقدسة. وفي هذا السياق، عُبّدت عدة طرق من أوائلها طريق مكة–جدة 1926 لتسهيل انتقال الحجاج من ميناء جدة إلى الحرم الشريف بيسر وأمان.
أما في الحاضر، فقد تولت وزارة المواصلات التي تحول اسمها إلى النقل، ثم وصلت الى مرحلة نضج وشمولية جعلتها تشرف على النقل وسلاسل الإمداد ومعه تحول اسمها الى وزارة النقل والخدمات اللوجستية بقيادة الوزير المهندس صالح الجاسر وأصبحت مظلة للتطوير وإدارة هذا الملف الذي يتقاطع مع كل مناحي حياتنا وتعتمد عليه القطاعات الخدمية والأمنية والاقتصادية بلا استثناء، ويسير بدعم كبير من القيادة وفق الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية التي أُطلقت 2021 ولضمان تنفيذ الإستراتيجية، أُنشئت كيانات معنية بإدارة مساراتها، من بينها الهيئة العامة للطرق، التي بدأت أعمالها 2022 بهدف تنظيم قطاع الطرق والارتقاء بجودته وسلامته.
وأعدّت الهيئة إستراتيجية قطاع الطرق، التي اعتُمدت 2023، لتعزيز شبكة الطرق ودورها في ترسيخ مكانة السعودية مركزًا لوجستيًا عالميًا ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. ومن أبرز مستهدفاتها رفع مؤشر جودة الطرق وصولًا بالسعودية إلى المرتبة السادسة عالميًا.
وقد استضافت الجمعية السعودية لكتّاب الرأي، أخيرا في مقرها بالرياض، المهندس بدر الدلامي، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للطرق، الذي استعرض أبرز التحديات والإنجازات، ورفع شكره للقيادة بمناسبة الموافقة على تنظيم الهيئة، مؤكدًا أن ذلك يعزز قدراتها التنظيمية والفنية ويدعم تحقيق مزيد من الإنجازات مشيرا إلى أن السعودية حققت المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر ترابط شبكة الطرق، وفقًا لتقارير منتدى التنافسية العالمي. ويعزز هذا الترابط مكانة السعودية اللوجستية، ولا سيما مع ارتباطها بـ8 دول مجاورة.
وقد برزت أهمية هذه الشبكة في أوقات الأزمات، إذ أسهمت في استمرار حركة التجارة، كما وفّرت بدائل نقل مهمة للسعودية وبعض الدول المجاورة التي تأثرت حركة النقل فيها نتيجة تعطل مطاراتها أو موانئها. وتؤكد هذه الإنجازات الدور المحوري لشبكة الطرق التي تربط مناطق المملكة وأطرافها، التي استُثمرت فيها مليارات الريالات لتطويرها ورفع كفاءتها، بما يضمن دعم حركة النقل والإمداد في الظروف الاعتيادية وأوقات الأزمات.وينطبق ذلك على العاصمة الرياض، التي تُعد من أبرز مراكز الثقل السكاني والاقتصادي في السعودية والمنطقة. وتشهد المدينة توسعًا في مشاريع الطرق وتطوير محاورها الرئيسة، استجابةً للنمو السكاني والعمراني وما يصاحبه من زيادة في الحركة المرورية.
وفي هذا السياق، صرّح إبراهيم السلطان، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة الرياض، الأسبوع الماضي، بأنه يتوقع تحسن الحركة المرورية بعد اكتمال مشاريع الطرق التي تشرف الهيئة على تنفيذها ضمن برنامج "تطوير محاور الطرق الدائرية والرئيسة بمدينة الرياض"، الذي أطلقه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. وقد تحولت محاور عديدة إلى مواقع عمل وتطوير بدأت تؤتي ثمارها تباعاً مع توالي افتتاحات مشاريعها وأضاف السلطان أن الرياض تعيش مرحلة استثنائية اقتصاديًا وعمرانيًا، ستتوافر فيها المتطلبات التي تسهم في رفع جودة حياة سكانها.
وفي الختام، أقترح دراسة تخصيص مسارات آمنة اضافية للشاحنات على الطرق الرابطة بين المدن الكبرى والمحافظات، للحد من الحوادث المرورية وتقليل تعطّل حركة السير وتعزيز سلامة مستخدمي الطرق. فمع أهمية الشاحنات في حركة التجارة والإمداد، فإن تنظيم حركتها وفصلها، حيثما أمكن، عن المركبات الأخرى يعزز كفاءة شبكة الطرق وسلامتها، ويحقق الاستفادة المثلى من الاستثمارات الكبيرة في تطويرها.
كاتب اقتصادي
