لا يعمل الذكاء الاصطناعي في الفراغ. خلف التطبيقات والنماذج الذكية مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى كهرباء مستقرة، وشبكات قادرة على التوسع، وأنظمة تبريد، واستثمارات طويلة الأجل. لذلك، فإن السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي لم يعد سباقًا تقنيًا فقط، بل أصبح سباقًا على الطاقة أيضًا.
من هذه الزاوية يمكن قراءة توجه صندوق الثروة السيادي الإندونيسي INA إلى الاستثمار في مراكز البيانات بالتعاون مع شركة DayOne في جزيرة باتام. فإندونيسيا لا تريد أن تكون مجرد سوق تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تطورها دول أخرى، بل تسعى إلى استضافة البنية التحتية التي تقوم عليها هذه التقنيات.
وهذا تحول اقتصادي مهم؛ لأن الدولة التي تستضيف مراكز البيانات تستقطب معها الاستثمار الرقمي، والخدمات السحابية، والوظائف التقنية، وسلاسل التوريد المرتبطة بها. لكن مركز البيانات لا يصبح أصلًا إستراتيجيًا بمجرد بنائه. قيمته الحقيقية تعتمد على قدرته على الحصول على الكهرباء بتكلفة مناسبة وبصورة مستقرة ومستدامة. وهنا تظهر أهمية الطاقة الخضراء في التجربة الإندونيسية. فعند الإعلان عن مشروع DayOne وINA في باتام، أشير إلى استخدام مصادر الطاقة المحلية والمتجددة.
كما شهدت منطقة Nongsa Digital Park، حيث يقع المشروع، اتفاقات لتوفير الطاقة المتجددة لمراكز البيانات. وهذا يعني أن إندونيسيا بدأت تدرك أن جذب الاستثمار الرقمي في المستقبل سيعتمد بقدر كبير على القدرة على توفير كهرباء نظيفة وموثوقة.
اقتصاديًا، هذا التوجه منطقي. فالشركات العالمية الكبرى أصبحت أكثر حساسية لمصدر الطاقة الذي يشغل مراكز بياناتها، سواء بسبب أهدافها المناخية أو بسبب متطلبات المستثمرين والتمويل والإفصاح. والدولة التي تستطيع تقديم أرض مناسبة، وربط رقمي سريع، وطاقة نظيفة، تصبح أكثر جاذبية من دولة تملك الموقع نفسه لكنها تعتمد على كهرباء مكلفة أو مرتفعة الانبعاثات.
كما أن قرب باتام من سنغافورة يمنح إندونيسيا فرصة إضافية. فسنغافورة مركز رقمي مهم، لكنها تواجه قيود المساحة والطاقة. ويمكن لإندونيسيا أن تقدم باتام بوصفها امتدادًا إقليميًا قادرًا على استيعاب مراكز بيانات أكبر وبتكلفة أقل. فإذا أضيف إلى ذلك عنصر الطاقة المتجددة، فقد تتحول باتام إلى مركز رقمي أخضر يخدم الطلب المتزايد على الحوسبة والذكاء الاصطناعي في جنوب شرق آسيا.
غير أن هذه الفرصة تحمل مخاطرة واضحة. فمراكز البيانات، خصوصًا تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تستهلك كميات هائلة من الكهرباء. وإذا توسعت الدولة في جذب هذه المنشآت من دون زيادة موازية في إنتاج الطاقة النظيفة وتطوير الشبكات، فقد يصبح الاستثمار الرقمي عبئًا على قطاع الكهرباء، أو يؤدي إلى زيادة الاعتماد على مصادر تقليدية مرتفعة الانبعاثات. وعندها تفقد الدولة جزءًا من الميزة التي سعت إلى بنائها.
من هنا يأتي البعد القانوني. لا يكفي أن يعلن المستثمر أو الصندوق السيادي أن المشروع يراعي الاستدامة أو يفضل الطاقة المتجددة. المطلوب هو أن تتحول هذه اللغة إلى التزامات واضحة: عقود شراء طاقة متجددة، ونسب قابلة للقياس، وإفصاح عن استهلاك الكهرباء والانبعاثات والمياه، وآليات للتحقق من أن الطاقة الخضراء المعلنة ليست مجرد غطاء تسويقي.
وتزداد أهمية ذلك عندما يكون المستثمر صندوقًا سياديًا. فالصندوق السيادي لا يستثمر أموالًا عامة لتحقيق الربح فقط، بل يشارك في رسم مستقبل الاقتصاد الوطني. فإذا استثمر في مراكز بيانات ضخمة دون اشتراطات بيئية وطاقية واضحة، فقد تحقق المشروعات عوائد مالية، لكنها تخلق في الوقت نفسه تكاليف طويلة الأجل على الشبكة الكهربائية والموارد والانبعاثات.
أما إذا ربط الصندوق استثماره بالطاقة النظيفة والشفافية والحوكمة، فإنه يحقق عائدًا اقتصاديًا ويؤسس في الوقت ذاته لاقتصاد رقمي أكثر استدامة.
إستراتيجيًا، تحمل التجربة الإندونيسية رسالة أوسع. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تتحقق السيادة الرقمية بامتلاك التطبيقات أو استضافة الخوادم وحدها، بل بالقدرة على تشغيل هذه الخوادم بصورة مستقلة وآمنة ومستدامة. فالدولة التي تملك الكهرباء النظيفة والبنية الرقمية والقواعد القانونية الواضحة تصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمار وحماية مصالحها في اقتصاد يتزايد اعتماده على البيانات والحوسبة.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار التجربة الإندونيسية نموذجًا مكتملًا بعد. ما هو ثابت حتى الآن أن هناك استثمارًا سياديًا في مراكز البيانات، وتوجهًا معلنًا نحو الطاقة المتجددة، وخطوات لتوفير الطاقة النظيفة في منطقة المشروع. أما ما يحتاج إلى إثبات وإفصاح فهو مقدار الطاقة المتجددة التي ستستخدم فعليًا، وطبيعة الالتزامات التعاقدية، ومدى قدرة الشبكة على استيعاب التوسع دون زيادة الانبعاثات أو الضغط على احتياجات الاقتصاد المحلي.
إن الدرس الأهم من إندونيسيا هو أن الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء لم يعودا مسارين منفصلين. فالدولة التي تريد موقعًا متقدمًا في الاقتصاد الرقمي القادم ستحتاج إلى أكثر من الاستثمار في الخوادم ومراكز البيانات؛ ستحتاج إلى كهرباء نظيفة، وتمويل ذكي، وتنظيم قانوني يمنع الغسل الأخضر، ويضمن أن يكون التحول الرقمي مكسبًا اقتصاديًا حقيقيًا لا عبئًا جديدًا على المجتمع والبيئة.
في النهاية، قد تبدأ قصة الذكاء الاصطناعي بالخوارزمية، لكنها تُحسم بالطاقة التي تشغلها. وإندونيسيا، من خلال الجمع بين الاستثمار السيادي في البنية الرقمية ومحاولة توفير الطاقة المتجددة، تختبر اليوم معادلة ستواجهها دول كثيرة قريبًا: من يملك الطاقة النظيفة الموثوقة، يملك فرصة أكبر في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
