كاثرين ثوربيك
"مورغان ستانلي": تأثير محدود متوقع للقيود في نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في المدى القريب
- الصين تستحوذ على 7 مراكز ضمن أفضل 12 نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح عالمياً
- شركات التكنولوجيا الصينية تتمسك بالنماذج المفتوحة لمواجهة هيمنة الأنظمة الأمريكية المغلقة
الخلاصة
الصين قضت العامين الماضيين في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة ومنخفضة التكلفة، لكنها اقترحت ضوابط جديدة على تصديرها، ما يثير مخاوف من توقف إتاحتها. الحكومة أكدت أن النماذج الحالية لن تتأثر، لكن المقترح يهدف لضمان السيطرة البشرية على الذكاء الاصطناعي. نماذج "كوين" من "علي بابا" تعتمد عالمياً، وبكين تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر هذه التقنية.
أمضت الصين معظم العامين الماضيين في جعل العالم يعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة والمنخفضة التكلفة التي تطورها. والآن، يثير مقترح مفاجئ لفرض ضوابط جديدة على الصادرات مخاوف من احتمال أن توقف بكين إتاحة هذه الأدوات التي بات كثيرون يعتمدون عليها.
قد تكون التداعيات هائلة على صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية، بل أشد تدميراً للشركات الناشئة والمؤسسات البحثية حول العالم التي لجأت إلى منتجاتها بديلاً عن وادي السيليكون. وتتيح نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان الصينية الاطلاع على آليات عمل التقنية الداخلية، ما يسمح للمطورين بتنزيلها وتخصيصها وفق احتياجاتهم.
انفتاح صيني تحت رحمة القيود
لكن لا توجد أسباب كثيرة للذعر، حتى الآن. فما زالت أصوات بارزة داخل قطاع التكنولوجيا الصيني تُبدي تمسكاً يكاد يبلغ حد الإيمان الديني بتطوير الذكاء الاصطناعي المفتوح. كما تتضمن مسودة القواعد الحالية استثناءات عديدة. وأوضحت الحكومة أن التقنيات المتاحة بالفعل للعموم لن تتأثر، وأن الإصدارات المستقبلية من النماذج مفتوحة الأوزان ستكون مؤهلة للحصول على موافقات تلقائية. ومن المتوقع أن يظل التأثير في نماذج اللغة الكبيرة الصينية، وتطوير البرمجيات مفتوحة المصدر، وتسويقها تجارياً في الخارج محدوداً على المدى القريب، وفقاً لمحللين لدى "مورغان ستانلي".
مع ذلك، ينبغي النظر إلى المقترح باعتباره تحذيراً؛ فبكين لا توقف حالياً تدفق تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تطورها إلى الخارج، لكنها توضح أنها قادرة على ذلك.
يُفسّر كثيرون هذه السياسة على أنها محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السلامة والانفتاح، وهو مصدر قلق مشروع مع تزايد قدرات هذه التقنية. وقال متحدث باسم وزارة التجارة إن الإجراءات تهدف إلى منع الاستخدام غير السليم وإساءة الاستخدام، و"ضمان بقاء الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة البشر". وآخر ما تريده الصين هو وقوع كارثة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمكن إرجاع مسؤوليتها إليها، وربما تسعى هذه القيود إلى تجنب ذلك.
ومن المرجح أيضاً أن بكين تسعى إلى توسيع صلاحياتها لمنع تكرار واقعة شبيهة بما حدث مع "مانوس" (Manus)، حين أجبرت شركة "ميتا بلاتفورمز" (Meta Platforms) على التراجع عن الاستحواذ على الشركة الناشئة ذات الجذور الصينية.
اعتماد عالمي على نماذج الصين المفتوحة
ومع ذلك، ظل احتمال حدوث أمر كهذا تهديداً يلوح في الأفق على الدوام. وأي تراجع عن إتاحة هذه النماذج ستكون له تداعيات قاسية، إذ أصبحت نماذج "كوين" (Qwen) التابعة لشركة "علي بابا غروب هولدينغ" (Alibaba Group Holding) الأساس الافتراضي الذي يعتمد عليه المطورون حول العالم، وفقاً لمنصة "هاغينغ فيس" (Hugging Face). وجرى تطوير أكثر من 150 ألف نموذج مشتق من "كوين"، أي ما يقارب 5 أضعاف عدد النماذج المشتقة من "لاما" (Llama) التابعة لشركة "ميتا". وتستحوذ الصين على 7 مراكز من بين أفضل 12 نموذجاً وفق مقياس الذكاء للأنظمة المفتوحة الذي تصدره "أرتيفيشال أناليسيس" (Artificial Analysis).
داخل قطاع التكنولوجيا الصيني، غالباً ما يُغلّف دعم الذكاء الاصطناعي المفتوح بخطاب فلسفي. ويُنظر إليه باعتباره وسيلة لمنع احتكار عدد محدود من شركات النخبة الأكثر نفوذاً للتقنية الأشد تأثيراً في عصرنا، على خلاف عمالقة التكنولوجيا الأمريكية التي تُبقي أنظمتها مغلقة. ووصف ديلي تشين، الباحث في شركة "ديب سيك" (DeepSeek)، الأمر بأنه صراع بين النور والظلام، في منشور على منصة "إكس" أعلن فيه عن أداة جديدة مفتوحة المصدر تعزز كفاءة الشركات التي تستخدم نماذجها. ووصف المواجهة بين النماذج المفتوحة والمغلقة بأنها "معركة حاسمة بين مستقبلين، ومصيرين للبشرية"، متعهداً بمواصلة القتال "حتى النصر الكامل". وليس وحده من يصور حجم الرهانات بهذه اللغة الدرامية.
حتى الرئيس شي جين بينغ استغل مشاركاته في فعاليات عالمية للذكاء الاصطناعي للدفاع عن التطوير المفتوح، وأبرزها المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي خلال يوليو، ثم في وقت أقرب خلال قمة مجموعة "بريكس" في نيودلهي.
نماذج الذكاء المفتوحة سلاح ذو حدين
لكن بالنسبة إلى الشركات الصينية التي تسعى إلى إيجاد مسار نحو الربحية، وهو هدف لا يزال بعيد المنال، كان هذا الخيار محفوفاً بالمخاطر دائماً. فمسألة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيتمكن يوماً من تعويض الإنفاق الهائل اللازم لتطويره تمثل معضلة عالمية، لكن الضغوط التي تفرضها الشركات المنافسة لإتاحة التكنولوجيا مجاناً تزيد هذه الحسابات تعقيداً.
ويتوقع محللو "بلومبرغ انتليجنس" أن تظل الشركات الصينية المطورة لنماذج اللغة الكبيرة بعيدة كثيراً عن تحقيق الربحية على المدى القريب. وقد تتخلى الشركات في نهاية المطاف عن طرح إصدارات مفتوحة، أو تتبنى نهجاً هجيناً، إذا أرادت تحقيق أرباح.
في المقابل، تكمن الميزة في أن هذا النهج يجذب أعداداً كبيرة من المستخدمين، ويمكن أن يساعد على دفع القطاع بأكمله إلى الأمام. وكما دأبت على القول منذ فترة طويلة، يتعين على الولايات المتحدة الاستثمار في منظومتها الخاصة للنماذج مفتوحة الأوزان. ومن المشجع رؤية بعض التقدم في هذا المجال من جانب شركات ناشئة مثل "ريفليكشن إيه آي" (Reflection AI)، وعمالقة التكنولوجيا مثل "إنفيديا" (Nvidia). ويمكن للنماذج المفتوحة أن تخفض تكلفة دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد، بل قد توسع قاعدة المواهب التقنية في أمريكا.
وكما أشار موظف سابق في منصة البرمجة "غيت هاب" (GitHub) في وقت سابق من العام الجاري، فإن تبني الصين للتكنولوجيا مفتوحة المصدر هو بحد ذاته القناة التي تغذي البلاد بالمواهب، إذ يمنح أعداداً كبيرة من الأشخاص القدرة على التجريب وتطوير المنتجات. وحتى الشركات الناشئة الكبرى في وادي السيليكون استفادت من ذلك، وهو ما يفسر موجة الاعتراضات الواسعة عندما واجهت النماذج المفتوحة خطر الحظر.
بكين تحول الاعتماد التقني إلى نفوذ
ربما الدرس الأهم لواشنطن هو أن التذرع بالسباق مع الصين كمبرر للتسريع الخطير والتنظيمات الأخف أصبح أقل إقناعاً أكثر من أي وقت مضى، فحتى بكين تُظهر الآن أنها تأخذ بجدية ضرورة إبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة، لكن تحت سيطرتها هي.
أيضاً، يشعر كثير من الأمريكيين أن وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي تتخطى حدود الأمان، وتريد أغلبية كبيرة في واشنطن أن تعطي الأولوية لإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة البشر وهي نسبة تفوق بكثير نسبة من يرون أن التنافس مع الصين لا يقل أهمية عن ذلك، وفق استطلاع رأي حديث على مستوى البلاد.
لا تزال بكين راغبة في أن يبقى العالم معتمدا على ذكائها الاصطناعي وتريد أن تضع القواعد، وكلما زاد عمق هذا الاعتماد العالمي، تعززت قدرتها على تحقيق الهدفين معاً.
كاتبة عمود في بلومبرغ تغطي التكنولوجيا في آسيا. مراسلة تقنية في CNN وABC News. سابقا
خاص بـ "الشرق بلومبرغ"
