ماهر الشميطلي
:https://x.com/MaherChmaytelli
بكين تستقبل نفطاً عبر مضيق هرمز أكثر من أي دولة أخرى
الغاز الطبيعي المسال يمثل نقطة ضعف للصين، لأن تعويض الغاز القطري سيكون مكلفاً وصعباً
قد يؤدي نقص الطاقة إلى خفض الاستهلاك الصناعي وانكماش الإنتاج في قطاعات كثيفة الطاقة
المفارقة أن الصراع الذي تقوده الولايات المتحدة مع إيران قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى تعزيز أمن الطاقة الصيني
الخلاصة
تعتمد الصين بشكل كبير على نفط الخليج الذي يمر عبر مضيق هرمز، وتملك مخزونات إستراتيجية تصل إلى 1.39 مليار برميل. أوقفت ناقلاتها عبور المضيق منذ 28 فبراير بسبب الحرب في الخليج. تحتفظ الصين بمخزونات نفطية كبيرة وتستخدم أنابيب بديلة من السعودية والإمارات، وتسعى لتقليل اعتمادها على الشرق الأوسط وزيادة وارداتها من روسيا.
من بين الدول التي تسعى اليوم لتقييم حجم انكشافها على تداعيات إغلاق مضيق هرمز، تبرز الصين من بين أكبر المتضررين، أسوة بدول آسيوية أخرى تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج كاليابان والهند وكوريا الجنوبية. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم وأكبر جهة تتلقى تدفقات النفط العابرة لمضيق هرمز. ولهذا السبب أمضت الصين العقدين الأخيرين وهي تبني بهدوء مصدّات وقائية يُفترض أن تمتص أي صدمة نفطية.
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تستحوذ الصين على الحصة الكبرى من شحنات النفط الخام والمكثفات التي كانت تعبر مضيق هرمز قبل إغلاقه الفعلي بداية الشهر بسبب الحرب الدائرة في الخليج. وتشكل إمدادات النفط القادمة من السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران نحو نصف إجمالي واردات الصين، التي تشتري أيضاً من قطر ربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال تقريباً.
وتُظهر منصات تتبع السفن أن عشرات ناقلات النفط وسفن الحاويات الصينية قد أوقفت عملياً عبورها للمضيق منذ بدء الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على إيران في 28 فبراير، أسوة بجميع السفن التجارية الأخرى العالقة في الخليج.
لم تتحقق إلى الآن التكهنات المبكرة بإمكانية حصول الصين على ممر تفضيلي عبر المضيق، تكراراً لسابقة إعفاء السفن الصينية من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر عام 2024. وكانت هذه الآمال تستند إلى العلاقات القوية بين الصين وإيران، حيث استمرت الصين بشراء البترول الإيراني بالرغم من العقوبات الغربية المفروضة على طهران وإن بسعر نسبياً رخيص.
دبلوماسية محسوبة واحتياطي إستراتيجي
تبنت الصين موقفاً من الحرب يُعدّ نموذجاً للدبلوماسية المحسوبة. إذ عبّرت عن معارضتها للحرب على إيران، ولكن من دون إدانة الولايات المتحدة صراحة، وذلك في ظل التحضير لزيارة مرتقبة للغاية للرئيس الأمربكي دونالد ترمب في نهاية الشهر.
تشير تقارير متخصصة بشؤون الطاقة أن الصين تحتفظ بمخزونات إستراتيجية وتجارية تُقدّر بين 1.2 مليار برميل و1.39 مليار برميل من النفط، ما يعادل 100 الى 120 يوماً من صافي واردات النفط الخام وفق معدلات 2025. تمتلك بكين مخزونات نفطية إستراتيجية وتجارية تصل إلى 1.39 مليار برميل. وهناك أيضاً 46 مليون برميل إضافي من النفط الإيراني متوفر في سفن أو حاويات تخزين عائمة في البحار بالقرب من الصين وفي مخازن تابعة للجمارك الصينية.
كما تحتفظ السعودية والإمارات باستطاعة تصدير عبر الأنابيب تلتف على مضيق هرمز: 5 ملايين برميل يومياً في السعودية عبر خط أنابيب يصل حقول النفط في شرق السعودية إلى ميناء ينبع للتصدير على البحر الأحمر، و1.5 مليون برميل يومياً عبر خط أنابيب يصل أبوظبي بالفجيرة على خليج عُمان. ومن المرجح أن تحصل الصين على جزء أساسي من هذه التدفقات بحكم كونها السوق الآسيوية الكبرى.
مزايا هيكلية: إنتاج محلي وكهرباء
تتمتع الصين بمزايا هيكلية في مجال الطاقة تفتقر إليها عديد من الدول المستوردة للنفط، فهي تنتج محلياً أكثر من ربع استهلاكها من البترول وتعتمد بشكل كبير على الفحم الحجري والطاقة الهيدروليكية والمتجددة في توليد الكهرباء. كما أن الانتشار السريع للسيارات الكهربائية -حيث تتصدر الصين العالم حالياً في هذا المجال- يوفر تحوطاً حقيقياً ضد استمرار ارتفاع أسعار النفط، بطريقة لم يكن من الممكن تصورها حتى قبل عقد واحد.
لكن لهذه المصدّات حدود. سيصعب على الصين تعويض النقص في إمدادات الغاز الطبيعي المسال إذا استمر إغلاق المضيق لأشهر؛ والخيارات المتاحة عندئذ ستكون إما خفض الاستهلاك أو دفع ثمن أعلى بكثير من السابق للحصول على شحنات غاز أمريكي تعويضاً للغاز القطري، في ظل منافسة مع مشترين أوروبيين هم أيضاً بحاجة لإمدادات بديلة. ومن المرجح في هذه الحال أن تلجأ الصين إلى خفض الاستهلاك، ما يعني أن الإنتاج الصناعي سيتعرض للانكماش، ولا سيما القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، كالحديد والصلب والأسمنت، وتلك التي تحتاج الغاز الطبيعي كلقيم، كالأسمدة الزراعية والبتروكيماويات.
الاعتماد على موسكو
وأياً تكن مخرجات الأزمة، فهي ستُسرّع حتماً جهود الصين لتقليص الاعتماد على الهيدروكربونات القادمة من الشرق الأوسط، وزيادة حجم تلك المستوردة من روسيا بواسطة أنابيب عابرة لسيبيريا. وكذلك تطوير مصادر أخرى كالطاقة المتجددة والفحم الحجري الذي لا يزال يشكل المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء.
وتكمن المفارقة هنا في أن الصراع الذي تخوضه واشنطن، الخصم الرئيسي لبكين، قد ينتهي به الأمر إلى الإسهام في تعزيز أمن الصين في مجال الطاقة أكثر من أي مبادرة سياسية داخلية وإلى الاعتماد أكثر على موسكو.
مدير تطوير المحتوى في أكاديمية المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام
رئيس تحرير «CNN الاقتصادية» سابقا
خاص بـ"بلومبرغ"
