الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الصناعة بين التشريع والاستثمار

سلمان بن محمد الجشي
الأحد 7 ديسمبر 2025 14:10 |2 دقائق قراءة


سلمان الجشي

   في صناعة القرار الاستثماري، لم يعد النظر إلى الأرقام المالية وحدها كافيًا ولا حتى مقبولًا. فالمستثمر الحقيقي يدرك أن الجدوى لا تُقاس فقط بميزانيات، وقوائم دخل، وتوقعات تدفّقات نقدية، بل تُبنى على قراءة أعمق لمجمل المدخلات التي تُشكّل بيئة الاستثمار.

فالمال مجرد نتيجة، أما القرار فهو حصيلة منظومة من العوامل التنظيمية، والتشريعية، والسوقية، والاجتماعية التي قد ترفع من كفاءة الاستثمار أو تعرّضه لمخاطر لا تكشفها الأرقام وحدها. إن القرارات الحكومية.. من ضرائب ورسوم بمسميات مختلفة، ونسب توطين، وأسعار الطاقة، والمقابل المالي للعمالة.  

ليست عناصر جانبية، بل هي محددات إستراتيجية تؤثر مباشرة في قرار المستثمر بالبدء أو التوسّع أو الخروج. ويزداد ذلك وضوحًا في القطاع الصناعي  .. فالاستثمار الصناعي ليس نشاطًا عابرًا يمكن نقله في أسابيع، بل التزام طويل الأجل يرتبط بمبانٍ ومعدات ورأسمال بشري، وأي تغيير مفاجئ في البيئة التنظيمية ينعكس بخسائر كبيرة لا يمكن تلافيها. ولهذا يصبح استقرار السياسات، ووضوح الرؤية الحكومية ، وشفافية التنظيمات عناصر جوهرية في أي تقييم استثماري رشيد.

 وفي السنوات الأخيرة، أدركت الجهات الحكومية الرائدة أن بناء القرارات الكبرى لا يكتمل إلا بالمشاركة الحقيقية للأطراف ذات العلاقة. فبدأت بتأسيس ثقافة استقراء الرأي”، حيث تطرح مسودات القرارات على العموم، وتستقبل الآراء ، وتستمع لصوت المستفيدين قبل اعتماد أي تشريع. وهذه المقاربة الحديثة لا تمنح صانع القرار صورة أحادية، بل رؤية 360 درجة، تنير له ما قد تخفيه المكاتب المغلقة، وتكشف له أثر كل قرار على السوق والمستثمر والمستهلك والعمل والابتكار. 

من هنا تأتي مسؤولية المستثمرين "خصوصًا في القطاع الصناعي" بأن يتعاملوا مع هذه القنوات بجدية وعمق . فالمشاركة ليست ترفًا ولا واجبًا شكليًا ، بل أداة تأثير مباشر تضمن ألا تكون القرارات بعيدة عن واقع السوق. والمستثمر الذي لا يشارك في الملتقيات التي تنظمها المرجعيات الحكومية، أو لا يقدم رأيه عبر القنوات الرسمية أو اللجنة الوطنية الصناعية ، يترك فراغًا يملؤه آخرون، وقد يجد نفسه لاحقًا أمام تشريعات لم يأخذ صوته فيها مكانه الطبيعي. كما نتمنى أن تتبنّى الجهات التي لم تدخل هذا المسار بعد أسلوب الشفافية والمشاركة، مستفيدة من التجارب الناجحة للجهات التي سبقتها.

 فالإصغاء إلى أهل الميدان هو الطريق الأصدق لبناء سياسات فعالة، وبيئة اقتصادية مستقرة، وفرص استثمارية جاذبة . إن القطاع الصناعي يحظى اليوم بدعم مباشر وتوجيهات واضحة من قيادتنا الرشيدة التي تتأكد في رؤية السعودية 2030 أهمية تمكين الصناعة وتحويلها إلى رافعة للسيادة الاقتصادية والتنويع المستدام.

وهذا التوجه لا يكتمل إلا بتكامل الأدوار بين الدولة والمستثمرين، وبتبنّي عقلية جديدة قوامها قراءة شاملة للمدخلات، ومشاركة فعّالة في صياغة المستقبل.  وبذلك يصبح القرار الاستثماري أكثر حكمة، والبيئة الاقتصادية أكثر متانة، والصناعة السعودية أقرب إلى المكانة التي تستحقها…  ركيزة قوة وطنية وذراعًا حصينا لأمننا الوطني.

كاتب اقتصادي ورجل أعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية