الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الصمود في عالم يسوده عدم اليقين

كريستالينا جورجيفا
الجمعة 24 أكتوبر 2025 16:49 |3 دقائق قراءة


كريستالينا جورغييفا

العالم يواجه فجوة ديمغرافية كبيرة. لننظر إلى خريطة للعالم: حيث نرى أولا مجموعة من البلدان التي تصارع شيخوخة السكان والانكماش السكاني، ثم هناك مجموعة في الوسط، وأخيرا، أقسام كبيرة من إفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى حيث يواصل النمو السكاني تزايده، وكذلك القوى العاملة الشابة

واصل عدم اليقين ارتفاعه إلى مستويات أعلى وأعلى، ومع ذلك، فإن المعنويات العالمية تواصل تماسكها وبعبارة أخرى، فإننا نمر حاليا بمزيج من القلق والصمود. وأود أن أمعن النظر في كلا الأمرين.

أولا: القلق، بدءا من التكنولوجيا مرورا بالجغرافيا السياسية والمناخ ووصولا إلى التجارة، نجد أن التغيير يدعو عادة للقلق. فالنظام التجاري العالمي الذي قدم كثيرا للكثيرين يتعرض حاليا لهزة عنيفة تزلزل أركانه -وذلك لأسباب عدة، منها: أن تكافؤ الفرص غاب عنه التكافؤ الحق، وأن الذين تخلفوا عن الركب لم يحصلوا إلا على نزر يسير من المساعدة لإعادة تجهيز أنفسهم من أجل توفير وظائف جديدة وأفضل.

ونرى حاليا تدابير غير جمركية حازمة تراوح بين تراخيص الاستيراد إلى ضوابط التصدير ورسوم الموانئ، في حين أن أعداد إعانات الدعم لا ترصد سوى جانب واحد من الصورة الكاملة. ونرى سياسات صناعية غير سوقية وتشوهات في أسعار الصرف.

ولا شك أننا في العام الجاري نشهد ارتفاعا سريعا في معدلات التعريفات الجمركية الأمريكية. ولكن إليكم حقيقة أساسية: هناك 188 بلدا من مجموع 191 بلدا عضوا تجنبت حتى الآن اتخاذ إجراءات جمركية وفق مبدأ العين بالعين.

وإدراكا منا للضرر الذي تلحقه الحواجز التجارية بالنمو والإنتاجية، ولما كنا قد ناشدنا صناع السياسات الحفاظ على التجارة قاطرة للنمو، فإنني أرحب بضبط النفس هذا الذي مارسته أغلب البلدان -وإن كان من المؤكد أن مزيدا من التغييرات مقبل.

وفي هذه المرحلة، ورغم كل الاضطرابات السائدة، تشير التقديرات إلى أن 72% من التجارة العالمية تجري وفق شرط "الدولة الأولى بالرعاية": الذي تمنح البلدان بموجبه أقل معدلات تعريفاتها الجمركية الثنائية إلى كافة شركائها التجاريين. وهذا أمر بسيط وغير معقد.

فالتجارة ليست مباراة صفرية، فإذا استطاعت الشركات الحفاظ على تنوع وصلابة سلاسل إمدادها وإذا تمكنت الحكومات من الاحتفاظ باستقلاليتها الاستراتيجية ومساعدة الذين لا تعود عليهم التجارة بالفائدة، وإذا لم تكن الأرصدة الخارجية كبيرة بدرجة لا يمكنها الاستمرار، فإن الواردات والصادرات سوف تعززان الرفاهية. ولا غرابة إذن أن عدم اليقين الذي يحيط حاليا بالسياسات التجارية ومخاطر فقدان التجارة كقاطرة للنمو يخلقان شعورا بالقلق.

أنتقل إلى الجانب الآخر وهو الصمود. فعلى الرغم من التحولات الكاسحة التي شهدناها على صعيد السياسات في العام الجاري، ودحض تنبؤات العديد من الخبراء، فإن الاقتصاد العالمي لا يزال متماسكا -على نحو جيد حتى الآن. وبينما يُتوقع تباطؤ النمو العالمي من 3,3% في العام الماضي إلى 3,2% في 2025 و3,1% في 2026 -مسجلا تباطؤا أكبر مما يلزم وأقل مما تنبأنا به منذ عام، فإنه ليس بالتباطؤ الحاد.

ولا يزال أحد أسباب هذا الصمود هو قدرة القطاع الخاص على التكيف، وفقا لما شهدناه من تسريع وتيرة طلبات الاستيراد مسبقا، وبناء المخزون، وتقوية سلاسل الإمداد. فالسنوات الطويلة من الأرباح الكبيرة سمحت للمصدرين والمستوردين بتضييق هوامش الأرباح، مما خفف من وطأة التأثير السعري للتعريفات الجمركية المرتفعة في المستهلكين، حتى الآن على الأقل.

أما السبب الآخر: فيكاد أن يكون سلاحا ذا حدين.  فاستثمارات القطاع الخاص في الذكاء الاصطناعي، وخاصة في الولايات المتحدة، تشهد ازدهارا كبيرا  ويدعم هذا الوضع النمو في الولايات المتحدة وحول العالم، كما يتيح للجميع أوضاعا مالية داعمة.

وهنا يتمثل الخطر في تحول التفاؤل –المتعلق في حالتنا هذه بالإمكانات الحقيقية للذكاء الاصطناعي- إلى حالة من التراخي.

فمن صناعة السكك الحديدية إلى شبكات الإنترنت، نجد أن تاريخ استجابات السوق المالية للتكنولوجيات الجديدة الرائدة هو قصة من المبالَغة في التقدير والتصحيحات السوقية –وهنا، على سبيل المثال، نعرض لمحة عن فترة ازدهار الدوت كوم وتأثيرها في النمو ونجد أنه من الحكمة أن يتعامل العالم مع مثل تلك المخاطر.

كيف؟ نحن بحاجة إلى إشراف قوي على القطاع المالي، يتسم باليقظة تجاه الإفراط في المخاطرة وتزايد الروابط بين البنوك، والمؤسسات غير المصرفية، ومجتمع العملات المشفرة، كما نحتاج إلى سياسة النقدية تتسم بالحكمة.

كل هذا وغيره من المشورة الشاملة يتخلل جهودنا في مجال الرقابة متعددة الأطراف، حيث تقوم تقاريرنا "آفاق الاقتصاد العالمي، والاستقرار المالي العالمي، والراصد المالي" -وتصدر كلها أخيرا- ببعث شعاع من الأمل، وخفض درجة الحرارة المتأججة، واقتراح مسار مستقبلي. 

ومن خلال جهودنا في مجال الرقابة الثنائية، التي نبذلها عبر المشاورات المنتظمة مع جميع بلداننا الأعضاء -المتقدمة والصاعدة ومنخفضة الدخل على السواء- علاوة على تقييماتنا من خلال برنامج تقييم القطاع المالي، فإننا نستعين بمشورتنا متعددة الأطراف لاستخلاص توصيات بشأن السياسات تتميز بدقة تصميمها حسب ظروف كل بلد على حدة.   

مدير عام صندوق النقد الدولي 

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية