إن الصمود العالمي لم يوضع على المحك بصورة كاملة حتى الآن. فهناك بوادر مقلقة على أن المحك ربما يكون قادما. حسبك أن تنظر إلى الطلب العالمي المتزايد على الذهب. فحيازات الذهب النقدي تتجاوز حاليا خُمس الاحتياطيات الرسمية العالمية، تحفزها آثار التقييم وعمليات الشراء الصافية –اللذان يعكسان جزئيا عوامل جغرافية-سياسية.
أما التعريفات الجمركية، فتأثيرها الكامل لم يتكشف بعد. ففي الولايات المتحدة، قد يؤدي تقلص هامش الربح إلى زيادة تمرير أثر التعريفات إلى الأسعار، ما يرفع معدلات التضخم بما له من انعكاسات على السياسة النقدية والنمو. وفي الاقتصادات الأخرى، يمكن أن يؤدي وجود فيض كبير من السلع التي كانت وجهتها السابقة السوق الأمريكية إلى تحفيز جولة ثانية من الزيادات الحادة في الرسوم الجمركية.
صحيح أن التجارة تسير الهوينا، لكنها تظل تتدفق – كالماء الذي يتعذر منع جريانه وإيقاف تدفقه. وفي الوقت الحالي، لا يزال معظم التجارة العالمية ملتزما بالقواعد. ونحن في الصندوق نتوجه إلى صناع السياسات في العالم: نناشدكم الاستمرار في هذا النهج والحفاظ على التجارة قاطرةً للنمو. وبالنسبة إلى الأوضاع المالية اليسيرة - التي تحجب وراءها بعض الاتجاهات المتراجعة، لكنها لا توقف تقدمها، بما في ذلك في مجال صنع فرص العمل - فإن التاريخ يخبرنا بأن المعنويات السائدة يمكن أن تتحول فجأة.
وتتجه التقييمات اليوم نحو مستويات شهدناها إبان فترة التفاؤل بالإنترنت منذ 25 عاما. وإذا حدث تصحيح حاد، يمكن أن يؤدي تشديد الأوضاع المالية إلى كبح النمو، والكشف عن مواطن الضعف، وجعل الحياة بالغة الصعوبة على البلدان النامية.
في عالم اليوم متعدد الأقطاب سريع التغير، من الأهمية بمكان أن يبذل صناع السياسات جهودا أكبر بكثير لاغتنام الفرص وإتاحتها لتلبية تطلعات المواطنين، ولا سيما الشباب.
ونحن، في الصندوق نقترح 3 أهداف متوسطة الأجل على مستوى السياسات:
• أولا، رفع النمو على نحو دائم، حتى يمكن للاقتصاد خلق مزيد من الوظائف، وزيادة الإيرادات العامة، وتحسين استدامة القدرة على تحمل الدين العام والخاص.
• ثانيا، إصلاح ماليات الحكومات، حتى يمكنها أن توفر الهامش الوقائي ضد الصدمات الجديدة وتلبية الاحتياجات الملحة بدون رفع أسعار الفائدة على قروض القطاع الخاص.
• ثالثا، معالجة الاختلالات المفرطة، الداخلية والخارجية معا، بحيث لا تظهر لاحقا بوصفها مؤثرات سلبية.
و أتناول هنا كلا منها على حدة.
أولا، النمو. تشير التنبؤات إلى تراجع النمو العالمي إلى 3% تقريبا على المدى المتوسط – هبوطا من 3,7% في فترة ما قبل الجائحة. وظلت أنماط النمو العالمي تتغير على مر السنين، ولا سيما في ظل التراجع المطرد للنمو في الصين بينما تتحول الهند إلى قاطرة رئيسية للنمو.
ولرفع النمو بصفة دائمة، تتعين زيادة إنتاجية القطاع الخاص. وحتى يتحقق ذلك، يجب على الحكومات توفير وحماية لبنات البناء الأساسية لاقتصاد السوق الحرة، بما في ذلك حقوق الملكية، وسيادة القانون، والبيانات السليمة، وقوانين الإفلاس الفعالة، والإشراف القوي على القطاع المالي، والمؤسسات التي تتمتع بالاستقلالية لكنها تخضع للمساءلة.
الصمود العالمي والمحك الاقتصادي
لذا، فإنني أدعو اليوم كل بلداننا الأعضاء لاعتماد منهج للتطهير التنظيمي من أجل إطلاق طاقة ريادة الأعمال، بدعم من المؤسسات ونظم الحوكمة القوية. فليس هذا وقتا لإلحاق الضرر بأنفسنا، إنما هو وقت لترتيب بيوتنا من الداخل.
وأقول لآسيا عليكم بتعميق التجارة الداخلية لتشمل مزيدا من السلع النهائية ومزيدا من الخدمات والمضي قدما في تنفيذ الإصلاحات لتقوية قطاع الخدمات وتعزيز سبل الوصول إلى الخدمات المالية. فتحليلاتنا تفيد بأن الدفع نحو مزيد من التكامل الإقليمي - ولا سيما بخفض الحواجز غير الجمركية - يمكن أن يؤدي إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي بنسبة قدرها 1,8% على المدى الطويل.
وإلى إفريقيا جنوب الصحراء، أقول إن المكاسب من تنفيذ الإصلاحات في هذه المنطقة يمكن أن تكون كبيرة للغاية في ظل قوة العمل الشابة والمتنامية. فالإصلاحات الشاملة المواتية للأعمال، مقترنة بإحراز التقدم في إقامة منطقة التجارة الحرة القارية، يمكن أن ترفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في متوسط البلدان الإفريقية بأكثر من 10%.
وإلى موطني الحبيب أوروبا أقول عليكم بقدر من الحب الحازم: كفى عبارات بليغة منمقة عن كيفية زيادة التنافسية- فأنتم تعرفون ما يجب عمله. لقد حان وقت العمل. فكروا في تعيين "مسؤول كبير لشؤون السوق الموحدة" يتمتع بسلطة حقيقية للمضي قدما بالإصلاحات. وأزيلوا الاحتكاكات الحدودية في سوق العمالة، وتجارة السلع والخدمات، والطاقة، والتمويل. وابنوا نظاما ماليا أوروبيا موحدا. وأقيموا اتحادا للطاقة. استكملوا مشروعكم. والحقوا بقطار ديناميكية القطاع الخاص في الولايات المتحدة.
وإن الصورة بألف كلمة: انظروا كيف تُفاخر 7 شركات عملاقة أمريكية – لم تكن أي منها قائمة منذ 51 عاما – برأسمال سوقي تتضاءل أمامه رؤوس أموال الشركات المماثلة في العمر في أوروبا.
مدير عام صندوق النقد الدولي
