الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

عُرفت السعودية بحسن اختيار الدول التي تتعاون معها، وكذلك المجالات النوعية التي تركز عليها في الاتفاقات الموقعة مع الدول، مع الإبقاء على جميع الخطوط مفتوحة، وجعل مصلحة السعودية أولاً عند الانفتاح على التعاون والندية مع مختلف القوى والتكتلات.

وقد ظهر ذلك جليًا في تعاون السعودية مع فرنسا طوال عمر العلاقة بين البلدين، الممتدة لما يقارب الـ100عام، وتجلى ذلك في الزيارة الفارقة التي قام بها الأسبوع الماضي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بما حملته من تفاصيل واتفاقات مهمة، بناءً على توجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعوة من رئيس الجمهورية الفرنسية، ما جعلها تُصنَّف زيارة دولة، وهي أعلى مستوى من الزيارات الرسمية بين الدول.

وخلال هذه الزيارة تم توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في عدد من القطاعات النوعية، مثل الطاقة والتمويل والصناعة والذكاء الاصطناعي والنقل. وأظهرت تفاصيل الاتفاقيات والتفاهمات المعلنة تركيزًا لافتًا على التمويل، من خلال خطوط ائتمانية وحلول لتمويل مشاريع الكهرباء وشراء الطائرات، إلى جانب عقود ومشاريع في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والترفيه.

وجرى الإعلان عن هذه الاتفاقيات ضمن أعمال الطاولة المستديرة السعودية الفرنسية للاستثمار التي عُقدت في باريس، بمشاركة مسؤولين حكوميين ورؤساء تنفيذيين وقادة أعمال من البلدين.

ولفتني حجم التعاون وتنوعه، وهو ما عكسته كلمة وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف أثناء اللقاء، حين قال إن رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة بلغ أكثر من 16 مليار يورو في 2024، أي أكثر من ضعف مستواه قبل 5 سنوات، لتصبح فرنسا رابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 12 مليار دولار في  2025، مرتفعًا بنحو 43.8% عن  2021، فيما بلغ إجمالي التجارة بينهما نحو 53.7 مليار دولار بنهاية عام 2025، وشكلت الصادرات السعودية أكثر من 53% منه.

كما أشار إلى أن الفرص أمام الشركات الفرنسية تتركز في قطاعات الطاقة والخدمات المالية والبنية التحتية الرقمية والتصنيع المتقدم والنقل والخدمات اللوجستية، وهو ما يؤكد ما سبق أن أشرت إليه من أن المملكة تختار شريكها بناءً على النشاط، وتمنح المستثمرين المحليين والدوليين فرصًا نوعية في القطاعات بحسب الاختصاص والتميز.

أما وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، فقد قال إن الحضور الفرنسي في السعودية لم يعد يقتصر على بيع المنتجات والخدمات، وإنما يتجه بصورة أكبر نحو الإنتاج المشترك والاستثمار طويل الأجل.

وأخيرًا، تكمل العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وفرنسا قرنًا من الزمان هذا العام، حيث كانت فرنسا من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع المملكة. ودخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة بعد زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز إلى فرنسا 1967، ولقائه بالرئيس شارل ديغول. وأسهمت الزيارة في توسيع التعاون ليشمل آنذاك قطاعات جديدة، منها الإعلام والثقافة.

واستمر نمو التعاون وصولًا إلى هذا العهد الذي نشهد فيه قمة النضج والتقارب في العلاقات، مع تنوع كبير في مجالاتها. وقد أخذت العلاقات بين هاتين الثقافتين المهمتين في التنامي، مدفوعة بوعي مشترك بأهمية التواصل بين الشعوب، وتقدير واضح لأهمية وثقل كل من البلدين لدى الآخر.

وأتذكر هنا تجربتي عندما عملت، من خلال المؤسسة الإعلامية التي أملكها "دار الوطن للنشر والإعلام"، على إقامة شراكة مع وكالة الأنباء الفرنسية لافتتاح مكتب لها في الرياض، كأول وكالة أجنبية تفتح مكتبًا لها في السعودية، انطلاقًا من قناعة مشتركة بأهمية وجود الوكالة في المملكة. وتم ذلك في بداية الألفية الحالية، وكان حدثًا مهمًا أسس للانفتاح العالمي المحسوب، والسماح لوسائل الإعلام الدولية بالوجود المباشر في السعودية.

وباشرت الوكالة عملها بقوة، حيث حضر مديرها العام من باريس، والمدير الإقليمي من قبرص، ورافقتُهما في زيارات لعدد من المسؤولين.

وقبل هذا الحراك الإعلامي بأكثر من 10 سنوات، كانت دار الوطن قد عملت أيضًا على تعميق علاقتها بمنظمة اليونسكو التي تتخذ من باريس مقرًا لها، ووقعنا اتفاقية للوكالة والتمثيل لتوزيع مطبوعاتها الثقافية المهمة في السوق السعودية.

والمتتبع لهذا التنوع والتطور في العلاقة والتعاون النوعي على مدى قرن من الزمن يدرك أننا ندخل مرحلة جديدة من النضج والندية في العلاقات، مع تقدير واضح لمكانة كل من الشريكين في الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي يدرك مكانة السعودية وثقلها، ويقود علاقاتها الدولية انطلاقًا من هذه القناعات، واضعًا مصالح السعودية واستقرار المنطقة في مقدمة أولوياته.

كاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية