الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

السعودية قاطرة استثمار الشرق الأوسط

بكر الهبوب
الأربعاء 21 يناير 2026 17:6 |3 دقائق قراءة


بكر عبداللطيف الهبوب

تمثل رؤية السعودية 2030 أكثر من مجرد برنامج إصلاحي أو إطار زمني للتحول؛ فهي تعبير عن انتقال تاريخي من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يصنع القيمة عبر الإنسان والمؤسسات والاستثمار الذكي. و2030 ليس خط النهاية، بل نقطة تأسيس لمرحلة أكثر صلابة ومتانة، قامت على ثورة تشريعية وتنظيمية منذ 2016 أعادت بناء القدرات المؤسسية، ورفعت جودة الحوكمة، ورسخت أدوات اتخاذ قرار قادرة على التفكير بعيد المدى.

ما يجري في السعودية اليوم لا يمكن اختزاله في كونه مشروعَ نموٍّ تقليديًّا، بل مشروع إعادة تموضع تاريخي للمنطقة بأكملها. إنَّه مشروع يربط بين الرؤية الاقتصادية والهوية الحضارية، ويعيد تعريف علاقة السعودية بمحيطها العربي والإسلامي، وبالعالم من حولها.

وتستدعي هذه اللحظة مقارنات تاريخية كبرى، تشبه ما حدث في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين لم تكن الهجرة الأوروبية مجرد انتقال سكاني، بل حركة تأسيس نقلت معها الكفاءات والمعرفة ورأس المال، فأعادت تشكيل الولايات الأمريكية لتصبح محركات صناعية ومالية متكاملة. الألمان والأيرلنديون والإيطاليون لم يصنعوا ثروة أمريكا فقط، بل أسهموا لاحقًا في إعادة إنعاش الاقتصادات الأوروبية، وبنوا ثقة السوق والمؤسسات التي أصبحت النموذج العالمي الأبرز. ويؤكد التاريخ الاقتصادي أن النمو الذكي لا يقوم على الانغلاق أو المنافسة الصفرية.

 سنغافورة، رغم غياب الموارد الطبيعية، حولت القانون والانفتاح والحوكمة الرشيدة إلى منصة عالمية للاستثمار والابتكار، فأصبحت مركزًا يربط آسيا بالعالم. كما أسست هولندا في القرن السابع عشر لشبكة مالية وتجارية قادت أوروبا، وأثبتت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أن الصناعة القائمة على الثقة المؤسسية يمكن أن تعيد نهضة قارية كاملة. القاسم المشترك في هذه التجارب أن الدول التي نجحت لم تنمُ وحدها، بل احتضنت عناصر القوة في محيطها، ثم أعادت تصدير النمو إلى الإقليم والعالم.

السعودية اليوم مؤهلة لتكون النموذج الأسمى، لأنها تجمع ما لم يجتمع لغيرها: حجم اقتصادي وسوقي يقترب من التجربة الأمريكية، انضباط تشريعي ومؤسسي يشبه سنغافورة، عمق صناعي واستثماري قابل للتطور على غرار ألمانيا، وهوية حضارية جامعة تمنحها بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا فريدًا.

ويعزز ذلك موقعها في قلب العالم العربي والإسلامي، ما يجعلها نقطة جذب طبيعية للكفاءات العربية والإسلامية، لا باعتبارها بديلًا عن أوطانهم، بل منصة تمكين تسمح لهم بالإبداع والإنتاج، ثم إعادة توظيف الخبرة ورأس المال في مجتمعاتهم.

فالسعودية ليست مجرد سوق أو مركز مالي، بل منصة إشعاعية قادرة على احتضان العقول ورؤوس الأموال، وإتاحة الفرص لتطوير مشاريع نوعية داخل بيئة مستقرة وعادلة. هنا يتحول الاستثمار من كونه نشاطًا اقتصاديًا إلى محور تنموي تحولي، لأنه لا يصنع الثروة فقط، بل يبني بنية تحتية بشرية ومعرفية ومؤسسية تعيد توزيع الفرص داخل الإقليم بدل تصديرها خارجه.

وعندما قال الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء «أنا أعتقد أن أوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط، هذه حرب السعوديين وهذه حربي التي أخوضها شخصيًا، لا أريد أن أفارق الحياة قبل أن أرى الشرق الأوسط في مقدمة مصاف دول العالم، وأعتقد أن هذا الهدف سيتحقق مائة في المائة»، كان يضع إطارًا لمشروع منطقة كاملة لا مجرد تنمية وطنية. فمشروع الأمير محمد بن سلمان يأتي في توقيت ذكي، مع أفول نسبي لمحركات النمو التقليدية في أوروبا، وتحديات اقتصادية واجتماعية في دول عربية تتطلع شعوبها إلى نموذج جديد للفرص والازدهار.

وكما كانت نهضة أمريكا شرطًا غير مباشر لنهضة أوروبا الحديثة، فإن نهضة السعودية يمكن أن تكون شرط رخاء مشترك لدول الجوار. ليست الهيمنة هي الهدف، بل القيادة عبر الاستثمار؛ ليس الاستحواذ، بل صناعة مركز جاذب يعيد توجيه رأس المال والمهارة داخل الفضاء العربي.

وتملك الدول العربية، كما كانت حال الأوروبيين والصينيين في مراحل سابقة، طاقات بشرية هائلة تبحث عن بيئة عادلة ومنتجة. وكما أثبتت تجارب حديثة في أوروبا وغيرها أن الكفاءات العربية والإسلامية، حين تتوافر لها بيئة مؤسسية عادلة ومحفزة، قادرةٌ على الإسهام بفاعلية في دعم الصناعات والخدمات، فإنَّ تهيئة هذه البيئة داخل المنطقة يمكن أن تقود إلى نهضة صناعية وخدمية متكاملة تنطلق من السعودية وتمتد إلى العالم العربي بأسره.

الاستثمار السعودي، بهذا المعنى، لا يصنع اقتصادًا أقوى فقط، بل يحرك محيطه بالكامل. يربط رأس المال بالمهارات والخبرة، ويعطي الأمل لكل دولة عربية في إعادة توظيف مواردها البشرية والمادية، ويحوّل السعودية إلى مركز إشعاع إقليمي يضيء بقوة على العالم العربي والعالم أجمع.

 إنَّ شمس الاستثمار السعودية لن تشرق عليها وحدها، بل على كل الأقطار العربية، لتعيد توزيع الفرص، وتحقق النمو الذكي المستدام، وتضع المنطقة على خريطة الاقتصاد العالمي بوضوح وثقة. فالسعودية اليوم ليست مجرد اقتصاد صاعد، بل قاطرة استثمارية تعيد تموضع الشرق الأوسط في قلب الاقتصاد العالمي.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية