الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

السعودية.. صمام الأمان لأسواق الطاقة

د. مسفر بن جارالله
د. مسفر بن جارالله
الاثنين 16 مارس 2026 13:10 |3 دقائق قراءة


د.مسفر بن جارالله

يقال إن التاريخ يعيد نفسه، وإن العاقل من يستفيد من تجارب الماضي القريب والبعيد. ولعل أكثر ما ينطبق عليه ذلك هو أسواق النفط، إذ كثيرًا ما تعيد تكرار الأنماط والسلوكيات نفسها من عقد إلى آخر. ففي بداية سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في 1973، شهدت أسواق النفط صدمة أسعار غير مسبوقة في تاريخ الصناعة النفطية، حيث ارتفعت الأسعار إلى عدة أضعاف خلال سنوات قليلة نتيجة مجموعة من العوامل التي تزامنت في ذلك الوقت، وليس هذا المقال في صدد تفصيلها.

وقد استفادت الدول المنتجة، ومنها دول الخليج العربي وعلى رأسها  السعودية، من تلك الإيرادات الضخمة التي أسهمت في تمويل مشاريع التنمية والتحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها المنطقة في تلك الحقبة. ولا شك أن تلك المرحلة مثلت نقطة تحول مهمة نقلت دول الخليج إلى مستويات متقدمة في مجالات التنمية والبنية التحتية مقارنة بعدد من الدول النفطية الأخرى في المنطقة.

لكن في الجهة المقابلة، وبينما كانت دول الخليج منشغلة بعمليات البناء والتطوير، كانت الدول المستهلكة — وخصوصًا الدول الصناعية — تعمل في اتجاه آخر. فقد بدأت هذه الدول في تقليل استهلاك النفط، والاستثمار في تقنيات كفاءة الطاقة، والبحث عن مصادر بديلة للطاقة في البحار والغابات وغيرها، مستفيدة من ارتفاع الأسعار. وقد أدى ذلك تدريجيًا إلى تراجع الطلب على النفط، كما ارتفع الإنتاج من مناطق جديدة خارج الشرق الأوسط، مثل الحقول البحرية في بحر الشمال وحقول النفط في ألاسكا. وفي نهاية المطاف أسهمت هذه التطورات في انهيار أسعار النفط خلال ثمانينيات القرن الماضي.

مثال آخر من التاريخ القريب ظهر في بداية الألفية الحالية. فقد ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات كبيرة مدفوعة بالنمو القوي في الاقتصاد العالمي، وخصوصًا في دول آسيا، ما عزز الطلب على النفط ودفع الأسعار إلى الارتفاع حتى اقتربت من 150 دولارًا للبرميل في  2008. لكن ماذا حدث خلال تلك الفترة؟

شهدت صناعة النفط والغاز تحولًا كبيرًا، إذ ساعدت الأسعار المرتفعة الشركات الأمريكية على الاستثمار في تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي في حقول النفط والغاز الصخري، وهي حقول لم تكن مجدية اقتصاديًا منذ اكتشاف النفط. ومع الزيادة الكبيرة في الإنتاج من هذه الحقول خلال العقد اللاحق، تغيرت موازين العرض والطلب في السوق العالمية، لتدخل الأسواق في موجة هبوط حادة انتهت بانهيار الأسعار في أواخر  2014، وهي الدورة التي ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

هاتان التجربتان التاريخيتان تقدمان دليلًا واضحًا على أن الارتفاع الحاد في الأسعار ليس دائمًا في صالح استقرار أسواق الطاقة. فالقفزات السعرية الكبيرة تحفّز الدول والشركات على البحث عن بدائل للطاقة، سواء داخل صناعة النفط والغاز نفسها أو من خلال الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة — ولا أقول المتجددة! — مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى التحول نحو السيارات الكهربائية وغيرها من التحولات التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والصناعة والمواد الأولية، ما ينعكس في نهاية المطاف على شكل موجات تضخم في الاقتصاد العالمي، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض الطلب على النفط.

ولهذا السبب، ومن وجهة نظري، لا تنظر السعودية إلى ارتفاع الأسعار الحاد باعتباره مكسبًا إستراتيجيًا كما يعتقد بعضنا. صحيح أن الأسعار المرتفعة قد توفر إيرادات كبيرة على المدى القصير، لكن آثارها بعيدة المدى قد لا تقتصر على تقلبات الأسعار فحسب، بل قد تقود إلى تغيّر هيكلي دائم في أسواق الطاقة.

ومن هذا المنطلق تدرك السعودية أن استقرار الأسواق عند سعر متوازن ومستدام هو الخيار الإستراتيجي الأفضل على المدى الطويل، بدلًا من القفزات الحادة صعودًا وهبوطًا. فالسعر المستقر يضمن إيرادات مستقرة للدول المنتجة، ويحافظ في الوقت ذاته على استمرار الطلب على النفط. كما يضمن للدول المستهلكة أسعارًا معقولة تساعد على نمو اقتصاداتها واستقرارها على المدى المتوسط والبعيد.

والمتابع لسياسة السعودية النفطية عبر العقود يلاحظ بوضوح هذا الحذر السعودي من القفزات السعرية الحادة، والحرص على استقرار الأسواق عند مستويات سعرية متوازنة تتماشى مع متطلبات الاقتصاد العالمي وموازين العرض والطلب. وهذه الدروس التاريخية تفسر هذا النهج. وهو ما يقودنا إلى سؤال مهم: ما الأدوات التي تمتلكها السعودية للحفاظ على استقرار الأسواق ومنع انفلات الأسعار؟

الإجابة تكمن في ثلاث أدوات إستراتيجية تملكها السعودية والتي تمنحها تأثيرا فريدا في صنع التوازن اللازم في أسواق الطاقة وهو ما سنناقشه في الجزء الثاني من هذا المقال.

اكاديمي وباحث في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية