في وقتٍ يعيش فيه الاقتصاد العالمي حالة من الترقب وإعادة الحسابات، ولا سيما مع التطورات الجيوسياسية الأخيرة المتمثلة في التفاهمات الإقليمية وإعادة فتح الممرات الملاحية الحيوية، تثبت المملكة العربية السعودية مجددًا أن مرونة اقتصادها ليست وليدة المصادفة، بل هي نتاج هندسة هيكلية دقيقة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
فبينما تتجه الأسواق العالمية نحو التهدئة والاستقرار، يكشف الأداء المالي والإنشائي للمملكة عن مؤشرات إيجابية قوية تؤكد قدرتها الاستثنائية على المحافظة على صلابة وقوة اقتصادها الوطني بمعزل عن التقلبات الخارجية، مستفيدة من أجواء الاستقرار لتسريع وتيرة جذب رؤوس الأموال ومواصلة خطط التنمية الشاملة.
وتأتي أحدث البيانات الرسمية لتؤكد هذه المكانة الراسخة؛ فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للسعودية نمواً قويًا بنسبة 6.3% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026، ليصل إلى 1.274 تريليون ريال سعودي، مصحوباً بتوسع حقيقي في الاقتصاد الكلي بنسبة 3%.
ولعل المؤشر الأكثر دلالة على ثقة القطاع الخاص والمستثمرين بمستهدفات الاقتصاد السعودي هو القفزة الكبيرة في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي بنسبة 5.1% ليصل إلى 358.3 مليار ريال سعودي خلال الربع نفسه، حيث استحوذ القطاع الخاص غير الحكومي على حصة الأسد بنسبة 89% من إجمالي هذه الاستثمارات بقيمة تجاوزت 319.9 مليار ريال، ما يعكس تحولاً جذرياً في بنية الاقتصاد ليصبح القطاع الخاص المحرك الأساسي للتنمية.
وفي المقابل، أظهر الاستثمار الحكومي قوة موازية عبر قفزة نوعية بلغت 54% ليبلغ 38.3 مليار ريال سعودي، ما يبرهن على استمرار الدولة في تمويل المشاريع الرأسمالية الكبرى لـ "رؤية 2030".
وتقف خلف هذه الطفرة الهيكلية جهود جبارة تقودها وزارة الاستثمار بالتعاون مع المركز السعودي للتنافسية والأعمال، عبر منظومة متكاملة أحدثت ثورة تشريعية وإجرائية لتسهيل بيئة الأعمال. وبفضل تفعيل المبادرات الرقمية المشتركة ومنصات الأعمال المتطورة، أصبح بإمكان المستثمر اليوم إصدار رخصته الاستثمارية عبر المسار الفوري الرقمي بالكامل في غضون 10 دقائق فقط، وهو ما أسهم في رفع معدل رضا المستثمرين عن رحلتهم الاقتصادية في المملكة إلى 87%.
كما دخل نظام الاستثمار المحدث لعام 2026 حيز التنفيذ، ملغياً شرط المسار التأهيلي المسبق للمستثمرين في سوق الأسهم، ومعززاً مبدأ الحياد التنافسي والمساواة الكاملة بين المستثمر المحلي والأجنبي.
وقد انعكست هذه الإصلاحات مباشرة على الأرقام؛ حيث قفز إجمالي تكوين رأس المال الثابت للقطاع الخاص غير النفطي ليبلغ 1089.2 مليار ريال، وأعلن وزير الاستثمار أن الشركات الأجنبية نجحت في توفير 500 ألف وظيفة للمواطنين في الأسواق المحلية، محتلة بذلك المملكة المرتبة الـ 13 عالمياً في مؤشر ثقة الاستثمار الأجنبي المباشر.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، نجحت السياسات المالية والنقدية للمملكة في كبح جماح الضغوط التضخمية العالمية؛ حيث استقر الرقم القياسي لأسعار المستهلك عند مستويات آمنة للغاية بلغت 1.7% في أبريل، ليرتفع طفيفاً إلى 1.8% في مايو بفعل النمو الطبيعي في قطاع الإيجارات السكنية والمرافق بنسبة 3.7%، وهو أمر متوقع في ظل الطفرة العقارية والمشاريع الإنشائية العملاقة التي تشهدها مدن المملكة.
هذا التضخم الموزون والمستقر لم يؤثر في القوة الشرائية للمواطنين، بل أظهرت المؤشرات حيوية عالية في حركة الاستهلاك المحلي، حيث قفزت عمليات نقاط البيع بنسبة 11.8% على أساس سنوي، ما يعكس مستويات ثقة مرتفعة لدى المستهلك وقوة الإنفاق العائلي.
ولم تتوقف المؤشرات الإيجابية عند حدود الأرقام الكلية، بل انعكست مباشرة على جودة الحياة وسوق العمل؛ حيث سجلت معدلات البطالة بين السعوديين تراجعاً تاريخياً لتصل إلى 7.2% في الربع الأخير من عام 2025.
وتزامن هذا الانتعاش مع طفرة تمويلية غير مسبوقة لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والتي وصلت التسهيلات الائتمانية المقدمة لها إلى رقم قياسي بلغ 468 مليار ريال سعودي، محققة نمواً بنسبة 33% على أساس سنوي.
إن هذه الحصانة الشاملة هي الثمرة الحقيقية لبرنامج التحول الوطني الذي رفع مساهمة الأنشطة غير النفطية لتشكل 55% من حجم الاقتصاد الحقيقي، وجذب تدفقات استثمار أجنبي مباشر قوية وصلت إلى نحو 119.2 مليار ريال، بالتزامن مع اتخاذ أكثر من 700 شركة عالمية من الرياض مقراً إقليمياً لها.
وعليه يثبت المشهد الاقتصادي السعودي منتصف 2026 أن المملكة نجحت في تحقيق 93% من مستهدفات أدائها السنوي وإنجاز أكثر من 935 مبادرة، مبرهنة للعالم أن اقتصادها راسخ، مرن، ويمتلك من الأدوات الهيكلية ما يجعله يقود المنطقة نحو مستقبل اقتصادي آمن ومستدام.
مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، وعمل مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية، ومستشارا إعلاميًا.
