علي البلوي
في زمن تتقاطع فيه شُعَل الحرب مع مسارات التجارة العالمية، يبرز الاقتصاد السعودي شاهداً على أن الأسس المتينة وحسن التخطيط قادران على تحويل الأزمات إلى فرص. فبينما تتلقى اقتصادات المنطقة ضربات موجعة جراء الاضطرابات وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، تواصل السعودية مسيرتها بخطى ثابتة، مثيرةً إعجاب المراقبين والمثمنين على حدٍّ سواء.
يعود هذا الصمود في جوهره إلى عوامل بنيوية راسخة تشكّلت على مدار سنوات من الإصلاح الهادف؛ إذ تمتلك المملكة ديناً حكومياً منخفضاً، واحتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، وصندوق ثروة سياديا يُعدّ من أكبر الصناديق عالمياً. هذه المنظومة المتكاملة توفّر للاقتصاد هامشاً واسعاً للمناورة في أوقات الأزمات، وتمنح صانع القرار ترف الاختيار بين توسيع الإنفاق أو الإبقاء على الانضباط المالي وفق ما تقتضيه الظروف.
فضلاً عن ذلك، أسهمت إصلاحات رؤية 2030 على مدار العقد الماضي في تغيير بنية الاقتصاد جوهرياً؛ إذ عملت على تقليص الاعتماد على النفط، وتنشيط القطاع الخاص، وتطوير قطاعات إنتاجية متنوعة كالسياحة والصناعة والخدمات المالية والتقنية. هذا التنويع لم يكن ترفاً استراتيجياً، بل أثبت أنه درع واقية حقيقية حين تتعرض عائدات النفط لضغوط خارجية.
ولعلّ أبرز ما كشفته الحرب الدائرة في المنطقة هو ميزة جغرافية سعودية طالما ظلت في الظل. فحين أغلق النزاع مضيق هرمز أمام حركة الشحن العالمية، تحوّلت الموانئ السعودية على البحر الأحمر إلى بديل استراتيجي لا غنى عنه، وأضحى خط الأنابيب العابر من الشرق إلى الغرب شرياناً حيوياً لتصدير النفط وضمان استمرارية التدفقات. وهكذا تحوّل الموقع الجغرافي إلى رافعة اقتصادية فاعلة في قلب الأزمة.
وعلى صعيد المؤشرات الرقمية، انطلق الاقتصاد السعودي بنمو قوي، مع تراجع ملحوظ في معدلات التضخم وأوضاع إيجابية في سوق العمل. وحتى مع الضغوط الإقليمية، يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً مستقراً للسعودية، وهو رقم يكتسب قيمته الحقيقية حين يُقارن بحالة الركود التي تعانيها اقتصادات الجوار. وقد سجّل القطاع الخاص غير النفطي توسعاً ملحوظاً، مدفوعاً بتحسّن الطلب المحلي واستئناف المشاريع الكبرى، في دليل على أن محركات النمو لا تنحصر في قطاع واحد.
وتكشف مؤشرات القوة الاستثمارية عن صورة بالغة الدلالة؛ إذ تتصاعد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المملكة في خضم الأزمة، مدفوعةً بتحسينات جوهرية في بيئة الأعمال شملت تبسيطاً ملموساً في إجراءات التراخيص وتقليصاً حاداً في أوقات التأسيس التي باتت تُقاس بالأيام لا بالأشهر.
ويتوازى مع ذلك ارتفاع لافت في تصنيفات المملكة ضمن مؤشرات التنافسية العالمية، وتنامٍ متسارع في أسواق رأس المال يتجلى في ارتفاع أحجام التداول وتوسّع قاعدة المستثمرين الأجانب. كما تشهد السعودية طفرة في الطلب على فتح مقار إقليمية للشركات العالمية، فيما تنتشر حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار في المدن الرئيسية لاستقطاب رواد الأعمال، مشكّلةً منظومة تجعل من المملكة بيئة حاضنة للأعمال لا مجرد سوق استهلاكية.
ولا تقتصر مؤشرات الثقة على الأرقام، بل تمتد إلى قرارات إدارية تعكس عمق التحوّل الاستراتيجي. فصندوق الثروة السيادي يخضع لمراجعة شاملة لمحفظته الاستثمارية، تتضمن إعادة هيكلة قيادية بتعيين كفاءات وطنية على رأس شركات كانت تُدار بخبرات أجنبية، وهو توطين حقيقي للخبرة بعد سنوات من الممارسة.
والجدير بالذكر أن الصندوق يواصل استقطاب الكفاءات الأجنبية في قطاعات التقنية والسياحة حيثما استدعت الحاجة، ما يعكس نهجاً ناضجاً بعيداً عن الشعارات، وقد ارتفعت نسبة الشركات المحلية في محفظة الصندوق بشكل ملحوظ تعبيراً عن التزام متسارع بتحفيز الاقتصاد الوطني.
وتتجلى قوة الاقتصاد السعودي أيضاً في قدرته على استقطاب رؤوس الأموال في أحلك الأوقات؛ فحين يُعيد المستثمرون توزيع محافظهم بحثاً عن بيئات أكثر استقراراً، تتصدّر المملكة قائمة الوجهات المفضّلة، وتتدفق إليها رؤوس الأموال الإقليمية في اعتراف بمتانة اقتصادها وعمق سوقها.
كما شكّل الطلب المحلي الراسخ ركيزةً أساسية في منظومة الصمود السعودية، حيث وفّرت القاعدة الاستهلاكية الكبيرة عازلاً طبيعياً ضد الصدمات، وانعكس ذلك جلياً في قطاع السياحة والضيافة الذي حافظ على معدلات إشغال فندقية مرتفعة بفضل السفر الداخلي.
والأهم من إدارة الأزمة أن السعودية أثبتت قدرة فائقة على توظيف الضغوط الراهنة وقوداً لتسريع مسار إصلاحي قائم أصلاً؛ فالاستراتيجية الاستثمارية الجديدة تُعيد رسم خريطة الأولويات بعين ثاقبة، منصبّةً تركيزها على قطاعات واعدة تجمع بين سرعة النضج وعمق الأثر، كاللوجستيات والذكاء الاصطناعي والسياحة والصناعة.
وما يُميّز هذا التحوّل أنه لم يأتِ كاستجابة مرتبكة لضغوط آنية، بل جاء تتويجاً لرؤية ناضجة تُدرك أن الطموح الحقيقي لا يُقاس بضخامة المشاريع، بل بعمق أثرها وديمومة عوائدها.
في المحصلة، لا يستند الصمود السعودي إلى حظ جغرافي أو عائدات نفطية وحسب، بل إلى منظومة متكاملة من الإصلاحات والسياسات والبنى التحتية والكفاءات البشرية. وحين تجتمع متانة الأسس مع مرونة الاستجابة ووفرة الموارد وتوطين القيادة، يصبح الاقتصاد لا مجرد صامد في وجه العاصفة، بل قادراً على أن يجعل من العاصفة ذاتها رياحاً تدفعه إلى الأمام.
مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، وعمل مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية، ومستشارا إعلاميًا
