هناك فرق كبير بين تطوير نظام الملكية العقارية وبين إيصال رسالة توحي بأن الماضي لم يكن موثوقاً. وهذا هو جوهر النقاش الدائر اليوم حول السجل العقاري في السعودية.
لا أحد يختلف على أن إنشاء سجل عقاري حديث يمثل خطوة إستراتيجية تتوافق مع رؤية السعودية 2030، ويرفع كفاءة السوق العقارية، ويزيد من موثوقية البيانات، ويجذب الاستثمار، ويحد من النزاعات المستقبلية. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل نجحنا في شرح فلسفة هذا التحول للمواطن؟
الكثير من ملاك العقارات، خصوصاً ممن يحتفظون بصكوك شرعية صدرت قبل عشرات السنين، يشعرون بأن مطالبتهم بإعادة تسجيل عقاراتهم توحي - ولو بصورة غير مقصودة - بأن الصك الذي ظل لعقود يمثل أعلى درجات الإثبات أصبح بحاجة إلى إعادة اعتماد. وهنا تبدأ المشكلة.
فالصك العقاري في السعودية لم يكن وثيقة إدارية تصدرها جهة تنفيذية، بل كان حكماً قضائياً أو وثيقة تصدرها المحاكم الشرعية بعد إجراءات قضائية رسمية. وقد استندت إليه الدولة في التخطيط، واعتمدته البنوك في التمويل، وتعامل به المواطنون في البيع والشراء والرهن والإرث، وبنيت عليه مدن وأحياء ومشروعات بمئات المليارات من الريالات. فإذا كانت هذه الصكوك قد أدت هذا الدور لعشرات السنين، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: لماذا أصبح مطلوباً مني اليوم تسجيلها من جديد؟
الإجابة القانونية واضحة: ليس لأن الصك فاقد للحجية، وإنما لأن الدولة انتقلت من نظام يعتمد على إثبات الملكية إلى نظام يعتمد على إدارة العقار ذاته. هذه نقطة جوهرية لم تصل بالوضوح الكافي. الصك يثبت أن هذا العقار ملك لفلان.
أما السجل العقاري فيبني هوية متكاملة للعقار نفسه، تشمل الموقع الدقيق، والإحداثيات، والمساحة، والحدود، والحقوق والالتزامات والقيود، بحيث تصبح جميع المعلومات في سجل واحد لا يتغير بتغير المالك.
إذن نحن أمام انتقال من إدارة الوثيقة إلى إدارة الأصل العقاري. لكن رغم ذلك، لا يمكن تجاهل الأثر النفسي الذي أحدثه هذا التحول لدى بعض المواطنين.
فالملكية الخاصة ليست مجرد أصل مالي، بل هي شعور بالأمان القانوني. وأي إجراء قد يُفهم منه أن الدولة تعيد فحص ما سبق أن حكم به القضاء، حتى وإن لم يكن هذا هو المقصود، قد يثير تساؤلات مشروعة تستحق الإجابة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي اقتصاد هو اهتزاز الثقة في وثائق الملكية. ولهذا فإن الرسائل الإعلامية المصاحبة للتحول لا تقل أهمية عن التحول نفسه.
فالتأكيد على أن السجل العقاري لا يلغي الصكوك الشرعية، ولا ينتقص من حجيتها، ولا يعيد تقييم الأحكام القضائية السابقة يجب أن يكون رسالة دائمة وواضحة. وفي المقابل، من الإنصاف الاعتراف بأن النظام القديم لم يكن مثالياً.
فعلى مدى عقود ظهرت حالات محدودة من ازدواج الصكوك، أو تداخل الحدود، أو اختلاف المساحات، أو قصور في الوصف الفني للعقار، وهي مشكلات لا ترتبط دائماً بالقضاء، بل أحياناً بطبيعة وسائل القياس والمسح المتاحة في تلك الفترات، وباختلاف الجهات التي كانت تحتفظ ببيانات العقارات. لكن وجود أخطاء محدودة لا يبرر أن يشعر ملايين الملاك بأن وثائقهم أصبحت محل ريبة. فهناك فرق بين معالجة الاستثناءات، وبين أن يُفهم الإصلاح على أنه إعادة تقييم للأصل كله.
كما أن من المهم إدراك أن معظم الدول التي انتقلت إلى أنظمة التسجيل العيني للعقار لم تبدأ من الصفر، بل اعتبرت الوثائق السابقة نقطة الانطلاق، ثم أضافت إليها البيانات الفنية والجغرافية الحديثة، دون المساس بقيمتها القانونية أو التاريخية. وهذا هو النموذج الذي ينسجم مع مبدأ استقرار الحقوق، وهو أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الأنظمة القضائية والاقتصادية.
إن نجاح السجل العقاري لن يقاس بعدد العقارات المسجلة فقط، وإنما بمدى اقتناع المواطن بأن هذا المشروع يحمي ملكيته أكثر مما كانت محمية في السابق. فالأنظمة الناجحة لا تكتفي بإصدار اللوائح، بل تبني الثقة. والثقة لا تُفرض بالأنظمة، بل تُبنى بالوضوح.
ومن هنا، ربما يكون الوقت مناسباً لإطلاق حملة وطنية تؤكد بوضوح أن الصكوك الشرعية التي صدرت وفق الأنظمة السارية وقتها تبقى ذات حجة، وأن السجل العقاري ليس محكمة جديدة، ولا جهة لإعادة النظر في الأحكام السابقة، بل هو منصة حديثة لتنظيم البيانات العقارية وتوحيدها.
إن السعودية تمتلك اليوم فرصة تاريخية لبناء واحدة من أكثر المنظومات العقارية تطوراً في العالم، لكن هذه الفرصة ستكون أكثر نجاحاً عندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تستبدل الثقة التي بناها القضاء عبر عقود، وإنما أضافت إليها طبقة جديدة من الدقة والتنظيم والحماية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضعاف الثقة فيما مضى، وإنما يبدأ بالبناء عليه.
والسجل العقاري، إذا قُدمت رسالته بالشكل الصحيح، لن يكون بديلاً عن الصك الشرعي، بل سيكون الامتداد الطبيعي له، والمرحلة الأحدث في رحلة طويلة من حماية الملكية الخاصة وترسيخ الأمن العقاري في السعودية.
كاتب اقتصادي

