محمد الماضي
خلال العامين الماضيين انشغل العالم بسؤال تقني بحت، من يملك أفضل نموذج لغة من حيث الأداء وحجم البيانات وقوة الحوسبة. اليوم يتغير السؤال بهدوء ولكن بعمق، كيف تعمل هذه النماذج داخل الأعمال، وبأي تكلفة، وبأي سرعة، وبأي مستوى من الاعتمادية؟ هنا يبدأ ما يمكن تسميته بعصر الاستدلال (Inference)، حيث تنتقل القيمة من لحظة تدريب النموذج إلى سنوات استخدامه داخل المؤسسات، وتبدأ معايير قياس الذكاء الاصطناعي في التغير، كفاءة التشغيل لا ضخامة النموذج.
نماذج اللغة الكبيرة، أو ما يعرف اختصارا بـ LLMs، تمثل العقل الخام الذي يدرب بتكلفة رأسمالية مرتفعة، لكنه يدرب مرات محدودة. أما الاستدلال فهو الاستخدام المتكرر للنموذج في الواقع العملي مثل تلخيص تقارير، البحث داخل الوثائق، دعم القرار، وربط المعرفة بالعمل. اقتصاديا، الاستدلال هو التكلفة الفعلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما يحدد ما إذا كان أصلا منتجا أم مجرد تجربة تقنية. لذلك لم يعد السؤال من يملك النموذج الأفضل، بل من ينجح في استخدامه بكفاءة أعلى وتكلفة أقل وعلى نطاق أوسع.
هذا التحول لم يعد نظريا. تقديرات الأسواق تشير إلى أن سوق الاستدلال العالمي مرشح لتجاوز 250 مليار دولار خلال العقد المقبل، مدفوعا بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي داخل القطاعات الصناعية والتجارية. ولهذا تتجه الاستثمارات من سباق تدريب النماذج إلى بناء بنى تشغيل قادرة على تحمل ملايين الطلبات بزمن استجابة منخفض، لأن تكلفة الطلب الواحد هي التي سترسم هوامش الربحية.
في هذا السياق، تتحرك السعودية على مسار عملي مبني على القدرة التشغيلية وحسن الاستخدام. وجود نموذج لغوي عربي وطني مثل ALLaM لا تكمن أهميته في كونه نموذجا كبيرا، بل في قابليته للتحول إلى خدمات مؤسسية في الحكومة والقطاع الخاص مثل التلخيص والبحث الدلالي والمساعدات الافتراضية، أي تطبيقات استدلال كثيف لا عروضا تجريبية. وعلى الجانب الآخر، يجري الاستثمار في البنية الحوسبية ومراكز البيانات، لأن الاستدلال يحتاج بنية تحتية قوية ومستقرة أكثر مما يحتاج مختبرات تدريب.
ومن هنا تأتي دلالة مشروع هيكساجون التابع لسدايا، بوصفه أحد أكبر مراكز البيانات الحكومية المصنفة Tier IV بطاقة تشغيلية تصل إلى 480 ميجاوات، في إشارة إلى أن المعركة لم تعد حوسبة فقط، بل جاهزية تشغيل تضمن الاستمرارية والاعتمادية.
أرامكو السعودية تقدم مثالا واضحا على الفرق بين الذكاء الاصطناعي العام والذكاء الاصطناعي التشغيلي. فالهدف ليس بناء مساعد عام، بل تطوير نماذج لغوية متخصصة لقطاع الطاقة تستند إلى معرفة تشغيلية تراكمت عبر سنوات، تدعم عمل المهندسين، وتسرع فهم التقارير الفنية، وتربط النتائج بقرارات تشغيلية منضبطة بمعايير السلامة. ومن هنا يمكن قراءة توجه أرامكو بأن الذكاء الاصطناعي يتحول من طبقة عرض إلى طبقة تشغيل داخل القرار اليومي، حيث تصبح الدقة شرطا أساسيا في بيئة مغلقة تكون فيها كلفة الخطأ مرتفعة.
وعالميا، تؤكد تحركات الشركات الكبرى هذا الاتجاه. دخول شركة NVIDIA الأمريكية في اتفاقيات ترخيص وتعاون في تقنيات الاستدلال مع شركات متخصصة يوضح أن المرحلة المقبلة لا تحسم بقوة التدريب، بل بقدرة تنفيذ الاستدلال بزمن استجابة منخفض وكلفة أقل وكفاءة أعلى.
لم يعد دور الاتصالات مجرد نقل بيانات، بل بناء بيئة تشغيلية للذكاء الاصطناعي، ويعكس هذا التوسع دور شركة Center3 التابعة لمجموعة STC في بناء مراكز بيانات عالية الكثافة حتى 1 جيجاوات بحلول 2030، لترجمة الاستدلال إلى خدمات تشغيلية قابلة للقياس داخل القطاعات الحكومية والخاصة.
الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة مختلفة، حيث لا تكفي النماذج وحدها ولا يكفي الزخم حول التدريب. القيمة ستظهر عند الاستخدام، وعند القدرة على تشغيل الاستدلال بكفاءة وتكلفة قابلة للقياس. من يبني البنية التحتية ويجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من منظومة الأعمال اليومية داخل المؤسسات هو من سيقود المرحلة المقبلة.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
