الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 18 مايو 2026 | 1 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل الخليجية

عماد اليوسفي
عماد اليوسفي
الاثنين 11 مايو 2026 13:34 |3 دقائق قراءة

في مكتب تأمين بالرياض، كانت موظفة تُراجع يدوياً مئات المطالبات أسبوعياً. اليوم يُنجز الذكاء الاصطناعي العمل ذاته في دقائق وبدقة أعلى. في بنك بالكويت، كان فريق من المحللين يُعدّ تقارير الائتمان. اليوم تُولّد خوارزمية التقرير نفسه في ثوانٍ. في شركة لوجستية بدبي، كان عشرات الموظفين يتتبعون الشحنات ويُنسّقون التسليم. اليوم نظام واحد يُدير العملية بأكملها. هذه ليست قصصاً مستقبلية، بل مشاهد تتكرر يومياً في منطقة الخليج. والسؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه بصراحة هو: ماذا سيحدث لأصحاب هذه الوظائف، وهل رؤيتنا لمستقبل العمل تواكب ما يجري فعلاً؟

 السعودية لا تنتظر الإجابة بل تصنعها. فقد وضعت الذكاء الاصطناعي في صميم مستهدفات رؤية 2030، وتُسارع استثماراتها في البنية التحتية والتقنيات الذكية، وتسعى إلى خلق آلاف الوظائف عالية التقنية بحلول العقد القادم. وتستهدف السعودية أن يصل إسهام الذكاء الاصطناعي في ناتجها المحلي الإجمالي إلى 12% بحلول 2030، وهو ما تُقدّره تقارير PwC بأكثر من 130 مليار دولار وفق التقديرات الحالية. غير أن الأرقام الكبيرة وحدها لا تُجيب عن السؤال الأكثر إلحاحاً: الشاب الخليجي الذي يدخل اليوم تخصصاً جامعياً قد يجد نفسه بعد 5 سنوات أمام سوق عمل مختلفة بالكامل. والرهان الحقيقي لرؤية 2030 ليس في حجم الاستثمار فحسب، بل في مدى جاهزية الكوادر الوطنية لاقتناص الفرص التي سيُفرزها هذا التحول.

منطقة الخليج تمتلك خصوصية تجعل هذا الملف أكثر إلحاحاً من غيرها. فهي من جهة تعتمد اعتماداً كبيراً على العمالة الوافدة في كثير من القطاعات، وهو ما يجعل الأتمتة في بعض الأحيان حلاً مُرحَّباً به لتخفيض التكاليف وتحقيق التوطين. لكنها من جهة أخرى تسعى جاهدة نحو رفع نسب التوظيف الوطني وتأهيل الكوادر المحلية لسوق عمل متغيرة.

والتناقض الحقيقي هنا هو أن كثيراً من الوظائف التي يُحاول الشباب الخليجي ولوجها اليوم هي بالضبط الوظائف الأكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي غداً. المحاسبة، والإدارة الوسطى، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات الروتيني، كلها مجالات باتت الآلة تُنافس فيها بكفاءة متزايدة. وهذا يعني أن برامج التوطين وحدها لا تكفي، بل لا بد أن ترافقها برامج إعادة تأهيل تُعدّ الشباب لما هو قادم لا لما هو موجود.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، إذ يُخطئ من يحصر النقاش في الوظائف التي ستختفي ويتجاهل تلك التي ستُولد. فالذكاء الاصطناعي يصنع في الوقت ذاته مهناً جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. مدرّب نماذج الذكاء الاصطناعي الذي يُدرّب النماذج على فهم البيانات والسياقات، ومدقق الأخلاقيات الذي يضمن ألا تنحاز الخوارزمية أو تُضلّل، ومهندس الأوامر الذي يُحسن التواصل مع الأنظمة الذكية، ومحلل البيانات الذي يحول الأرقام الضخمة إلى قرارات إستراتيجية، ومدير الأتمتة الذي يُشغّل المنظومات الرقمية ويُطوّرها، كلها وظائف باتت تُدرّ دخلاً أعلى من كثير من الوظائف التقليدية وهي في تنامٍ مستمر. المسألة إذن ليست في وجود فرص، بل في سرعة إعداد الكوادر لاقتناصها قبل أن يسبق الآخرون.

وثمة حقيقة يُغفلها خطاب الخوف من الأتمتة، وهي أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغ من تطور يظل عاجزاً عن استيعاب ما يجعل الإنسان إنساناً. الحكم الأخلاقي في المواقف المعقدة، والتفاوض الذي يقرأ ما بين السطور، والقيادة التي تُلهم لا تُدير فحسب، والإبداع الذي يخرج عن المألوف، والعلاقة الإنسانية التي تبني الثقة عبر الزمن، كل هذا لا تستطيع خوارزمية أن تُحاكيه بصدق.

والمنطقة العربية التي تتميز بثقافة تجارية وتفاوضية عريقة، وبروابط إنسانية تُشكّل جزءاً أصيلاً من طريقة العمل، تمتلك في هذا الموروث ميزة تنافسية إنسانية لا تعوّضها الآلة. المطلوب هو الاستثمار في هذه الميزة وتطويرها، لا التخلي عنها تحت وطأة الانبهار بالتقنية.

العالم لم يفقد وظائف حين اخترع الإنسان الآلة البخارية، بل أعاد توزيعها وصنع وظائف لم يكن يتخيلها. وحين جاء الإنترنت وأنهى مهناً بأكملها، فتح في المقابل أسواقاً لم تكن موجودة. الذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من هذه القاعدة التاريخية. لكن ما يميز هذه المرة هو السرعة، إذ إن التحولات التي كانت تستغرق جيلاً كاملاً باتت تحدث في سنوات. ولهذا فإن الدول التي ستنجح ليست تلك التي تقاوم التغيير، ولا تلك التي تستسلم له، بل تلك التي تُعدّ مواطنيها بما يكفي لركوب الموجة لا الغرق فيها. في عصر الذكاء الاصطناعي، لن يكون الأمن الوظيفي لمن يملك شهادة فقط، بل لمن يستطيع أن يتعلم أسرع مما يتغير العالم.


 خبير في مجال الذكاء الاصطناعي واللوجستيك

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية