ريتشارد ك. شيروين
قبل 8 سنوات، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتن إلى أن من يتقن الذكاء الاصطناعي "سيكون حاكم العالم". ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الاستثمارات في هذه التكنولوجيا إلى عنان السماء، حيث أنفقت شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة (ميكروسوفت، وجوجل، وأمازون، وميتا) أكثر من 320 مليار دولار في 2025 وحده.
ليس من المستغرب أن يتسبب السباق نحو الهيمنة على الذكاء الاصطناعي أيضا في توليد ردود فعل سلبية كبرى. إذ ينطوي الأمر على مخاوف متزايدة من أن تحل الآلات الذكية محل العمالة البشرية أو أن تصنع مخاطر أمنية جديدة، مثل تمكين الإرهابيين، والمخترقين المخربين، وغيرهم من الأطراف الشريرة. وماذا لو أفلت الذكاء الاصطناعي من سيطرة البشر تماما، وربما يهزمنا في سعيه إلى الهيمنة؟.
ولكن الخطر الأشد إلحاحا يتمثل في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تزداد قوة وغموضا على نحو يهدد الحرية ذاتها. فكلما سمحنا للآلات بالتفكير نيابة عنا، قلّت قدرتنا على مواجهة التحديات التي يفرضها الحكم الذاتي.
هذا الخطر الذي يهدد الحرية ذو شقين. فمن ناحية، تستخدم الأنظمة الاستبدادية مثل روسيا والصين بالفعل الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد لأغراض المراقبة الجماعية وأشكال القمع المتطورة، فتقمع ليس فقط المعارضة بل أي مصدر للمعلومات التي قد تثير المعارضة. ومن ناحية أخرى، تهدد شركات خاصة، وبشكل خاص الشركات المتعددة الجنسيات التي تتمتع بإمكانية الوصول إلى كميات هائلة من رأس المال والبيانات، الإرادة البشرية من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في منتجاتها وأنظمتها. والغرض من ذلك هو تعظيم الأرباح، وهو ما لا يخدم بالضرورة الصالح العام (كما تُظهِر التأثيرات الاجتماعية والسياسية والصحية النفسية الوخيمة التي تخلفها وسائط التواصل الاجتماعي).
يفرض الذكاء الاصطناعي على الديمقراطيات الليبرالية مسألة وجودية. فإذا بقيت تحت سيطرة القطاع الخاص، فكيف (في صياغة جديدة لكلام أبراهام لينكولن) لا تزول من على وجه الأرض حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب؟.
يجب أن يفهم عامة الناس أن الممارسة الحقيقية للحرية تعتمد على الدفاع عن الإرادة البشرية ضد توغل آلات مصممة لتشكيل الفِكر والشعور بطرق تحابي الشركات، وليس ازدهار البشر.
هذا ليس مجرد تهديد افتراضي. في دراسة حديثة شملت ما يقرب من 77000 شخص استخدموا نماذج الذكاء الاصطناعي لمناقشة قضايا سياسية، وُجِدَ أن روبوتات الدردشة المصممة للإقناع كانت أكثر فاعلية بنسبة تصل إلى 51% من تلك التي لم تُـدَرَّب بهذه الطريقة. في دراسة حديثة أخرى (أجريت في كندا وبولندا)، أخبر نحو واحد من كل 10 ناخبين الباحثين أن المحادثات مع روبوتات الدردشة الذكية أقنعتهم بالتحول من الامتناع عن دعم مرشحين بعينهم إلى دعمهم.
في المجتمعات الحرة مثل الولايات المتحدة، استفادت قدرة الشركات على مراقبة السلوك والتأثير فيه على نطاق واسع من قيود قانونية تقليدية مفروضة على تنظيم الدولة للسوق، بما في ذلك سوق الآراء والأفكار. لطالما كان الافتراض العملي هو أنه في حالة غياب تهديد كبير بعنف وشيك، فإن أفضل طريقة للتعامل مع الكلمات والصور التي يُفترض أنها ضارة تتلخص في استخدام مزيد من الكلمات والصور الموجهة لصد تأثيراتها.
والآن، تسعى الشركات إلى زيادة أرباحها ليس فقط من خلال تسويق خدمات الذكاء الاصطناعي المختلفة، ولكن أيضا من خلال نشرها بحيث تعمل على تعظيم الوقت الذي يقضيه المستخدمون على الإنترنت، وبالتالي زيادة تعرضهم للإعلانات الموجهة. إذا كان اجتذاب انتباه المستخدمين يعني تقديم أنواع بعينها من المعلومات بشكل مستتر وحجب أنواع أخرى، أو تقديم مجاملات مولدة بالذكاء الاصطناعي وتشجيع غير مدروس، إذن فليكن.
تعارض الحكومات التزامها بحماية الممارسة الحقيقية عندما تفشل في تنظيم التسويق عبر الإنترنت المصمم للتلاعب بالتفضيلات خُـفية. مثله كمثل الأكاذيب المحسوبة التي تشكل احتيالا عندما يتعلق الأمر بالمنتجات أو الخدمات التجارية، فإن التلاعب السلوكي المخفي أو الـمُقَـنَّع عمدا من قبل الشركات من أجل الربح يقع خارج نطاق ما تعتبره المحكمة العليا في الولايات المتحدة "الممارسة المثمرة لحق حرية التعبير".
يجب أن تواكب القوانين والسياسات العامة الظروف المعاصرة والتهديدات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي الشركاتي في العصر الرقمي. إذا كان الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل قويا بالقدر الذي يسمح له بحكم العالم، فيتعين على الحكومات في المجتمعات المنفتحة أن تتأكد من أنه يخدم المصلحة العامة أو على الأقل لا يضر بها.
أستاذ القانون الفخري في كلية الحقوق ـ جامعة نيويورك
خاص بـ "الاقتصادية"
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.
