الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

خلال الأشهر الأخيرة، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، لم تكن المواجهة تُخاض على الأرض وحدها، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي حيث أصبحت الهواتف الذكية ساحاتٍ موازية للصراع. خلال ساعات قليلة، انتشرت مقاطع فيديو وصور تُظهر مدناً تحترق، ومسؤولين يدلون بتصريحات، وأحداثاً تبدو حقيقية بكل تفاصيلها. لكن التحقق اللاحق كشف أن جزءاً من هذا المحتوى لم يكن سوى إنتاج خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ لم يلتقطه مصور، ولم تشهده كاميرا، ومع ذلك وصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتاح فرصة فحص صدقيته.

هذه الظاهرة لا تمثل حادثة عابرة، بل تعكس تحولاً عميقاً في بيئة المعلومات العالمية. فالذكاء الاصطناعي لا يكذب بالمعنى الأخلاقي للكلمة، إذ لا يملك نية أو مصلحة أو وعياً بالحقيقة. لكنه قادر على إنتاج معلومات غير صحيحة وتقديمها بصياغة متماسكة ولغة واثقة تجعلها تبدو موثوقة. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمشكلة ليست في سوء النية، بل في القدرة المتزايدة على إنتاج الخطأ بصورة مقنعة يصعب تمييزها عن الحقيقة.

ويأتي هذا التحدي في وقت تشهد فيه المؤسسات الإعلامية ضغوطاً متزايدة. فحجم المحتوى الرقمي يتضاعف بوتيرة غير مسبوقة، فيما يواجه عديد من غرف الأخبار نقصاً في الموارد المخصصة للتحقق الرقمي والتدقيق المتخصص. وبين سباق السرعة ومتطلبات الدقة، تتسع المساحة أمام المعلومات المضللة لتجد طريقها إلى الجمهور قبل أن تُختبر صحتها.

غير أن الخطر الأكبر لا يتمثل في خبر زائف أو مقطع مفبرك بعينه، بل في التآكل التدريجي للثقة العامة. فحين يكتشف المتلقي مراراً أن معلومات تداولها على نطاق واسع لم تكن دقيقة، يبدأ الشك بالتسلل إلى مجمل المنظومة الإعلامية. ومع الوقت، لا يصبح السؤال "هل هذا الخبر صحيح؟" بل "هل يمكن الوثوق بأي خبر؟". وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، تصبح أكثر عرضة للاستقطاب والتلاعب وصناعة الروايات البديلة.

ولعل أخطر ما في الذكاء الاصطناعي التوليدي أنه يوسّع نطاق التضليل بطريقتين مختلفتين؛ الأولى تضليل عرضي ينشأ عندما تستكمل النماذج المعلوماتية فجوات البيانات بإجابات تبدو منطقية لكنها غير دقيقة. والثانية تضليل ممنهج يُستخدم فيه الذكاء الاصطناعي عمداً لإنتاج محتوى مزيف على نطاق واسع وبتكلفة منخفضة وسرعة فائقة. ورغم اختلاف الدوافع، فإن النتيجة واحدة: زيادة الضوضاء المعلوماتية وإضعاف القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.

ولا تقتصر آثار هذه المشكلة على المجال الإعلامي وحده، بل تمتد مباشرة إلى الاقتصاد والاستثمار. فالأسواق الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على تدفق المعلومات الموثوقة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية وتسعير الأصول. وعندما تتراجع الثقة بمصادر المعلومات، ترتفع تكلفة التحقق، وتتزايد مخاطر اتخاذ قرارات استثمارية مبنية على معطيات مضللة، سواء بالنسبة للمستثمرين، الشركات، أو صناع السياسات المالية. ومن هذا المنظور، تصبح مكافحة التضليل قضية اقتصادية وأمنية بقدر ما هي قضية إعلامية.

ورغم حجم التحدي، فإن المشهد العربي يشهد مبادرات واعدة تُقاوم هذا التدهور بأدوات المهنة ذاتها. فقد برزت منصات تحقق متخصصة تُشكّل خطاً دفاعياً حقيقياً؛ مثل "مسبار" و"فتبينوا" و"شييك" التي تعمل على رصد الادعاءات وتوثيقها بمنهجية صحافية رصينة. وبموازاة ذلك، يبرز الدور المستدام لـ "مشروع مكافحة الإشاعات السعودي" الذي يعمل منذ عام 2012 كصمام أمان لتصويب المعلومة وفضح كواليس تزييفها. وفي هذا السياق، تبرز  السعودية بوصفها إحدى أبرز التجارب الإقليمية في تطوير سياسات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، مدفوعة برؤيتها الطموحة 2030.

إن الجهود التنظيمية والاستثمارية المشتركة بين هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، إلى جانب ما تضخه المملكة من استثمارات متنامية في البنية التحتية الرقمية وتطوير الكفاءات الوطنية، تمنحها القدرة على صياغة إطار ريادي لحوكمة المحتوى الرقمي يُلهم المنطقة بأسرها.

 في النهاية، لن يتوقف الذكاء الاصطناعي عن إنتاج المحتوى، ولن يتراجع حضوره في الإعلام والاقتصاد والحياة العامة. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نمنع هذه التكنولوجيا، بل كيف نبني آليات فعالة للتحقق والمساءلة والشفافية. فالمعركة المقبلة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين المعلومات الموثوقة والمعلومات المضللة. ومن ينتصر في هذه المعركة لن يحافظ على جودة إعلامه فحسب، بل سيحمي أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العصر الرقمي.

مؤسس منصة YOUADEMY — خبير في الذكاء الاصطناعي واللوجستيك

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية