يَعِدُ الذكاء الاصطناعي بتحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية للأفراد والشركات، ولكن هل يمكنه أيضاً مساعدة حكومات الأسواق المتقدمة على خفض عجز الميزانية وسداد الديون؟ ربما يحدث ذلك.
تتسم تقديرات مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي بقدر كبير من عدم اليقين. فقد أجرى عزرا كارغر، الخبير الاقتصادي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، وزملاؤه أخيرا استطلاعاً لآراء اقتصاديين وخبراء في التنبؤ الدقيق وخبراء في الذكاء الاصطناعي وعامة الناس حول هذه المسألة. وكان وسيط التقديرات للتعزيز الذي سيضيفه الذكاء الاصطناعي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي يبلغ نحو 0.5 نقطة مئوية سنوياً حتى 2031.
وكما هو متوقع ربما، كان الاقتصاديون أكثر تحفظاً بكثير من المجموعات الأخرى، إذ توقعوا زيادة قدرها 0.1 نقطة مئوية فقط سنوياً على مدى السنوات الخمس المقبلة.
لكن الأمر الذي يتفق عليه الجميع هو أنه إذا زادت الإنتاجية، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي سيرتفع. ويمكن أن يحدث ذلك من خلال ارتفاع أرباح الشركات مع قيامها بخفض التكاليف أو زيادة الإنتاج. أو قد يحدث ذلك من خلال ارتفاع الأجور الحقيقية إذا أصبح العمال أكثر إنتاجية، مما يعزز قدرتهم التفاوضية وقدرتهم على المطالبة بأجور أفضل.
وببساطة، تدفع كل من الشركات والعمال ضرائب، ما يعني - بافتراض ثبات العوامل الأخرى - أن زيادة الإنتاجية ينبغي أن تؤدي بشكل غير مباشر إلى زيادة الإيرادات الضريبية للحكومة. وهذا بدوره من شأنه أن يقلل من عجز الميزانية ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ما لم تتجاوز زيادة الإنفاق الحكومي الزيادة في الإيرادات.
لننظر في بعض السيناريوهات. يوضح البيان الإحصائي أدناه تقديراتي لكيفية تغير نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة مقارنة بالتوقعات الأساسية لمكتب الميزانية بالكونجرس. وأفترض هنا حدوث زيادة في نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي إما بمقدار 0.1 نقطة مئوية أو 0.5 نقطة مئوية، بما يتماشى مع وسيط تقديرات الاقتصاديين وجميع المشاركين في الاستطلاع المذكورين أعلاه.
علاوة على ذلك، أقوم بمحاكاة سيناريوهين إضافيين. في السيناريو الأول، تؤول جميع فوائد تعزيز الإنتاجية إلى الشركات في شكل أرباح أعلى. وفي السيناريو الآخر، يحصل العمال على نصف هذه الفوائد في شكل أجور حقيقية أعلى. نظراً لأن معدلات ضريبة الدخل في الولايات المتحدة تميل إلى أن تكون أعلى من معدلات ضريبة الشركات، فإن الإيرادات الحكومية ترتفع عادةً بشكل أكبر عندما يحصل العمال على حصة أكبر من مكاسب الإنتاجية.
ونتيجة لذلك، ففي السيناريو الثاني، سينخفض العجز بشكل أكبر وستتراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أكثر مقارنةً بالسيناريو المرجعي الذي وضعه مكتب الميزانية في الكونجرس.
يتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس حالياً أن تصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة إلى 120% بحلول 2036. ومع زيادة في الإنتاجية بمقدار 0.5 نقطة مئوية سنوياً - مع افتراض ثبات العوامل الأخرى - يمكن أن تنخفض هذه النسبة إلى أقل من 111% إذا عادت جميع الفوائد على الشركات، وإلى أقل من 110% إذا حصل العمال على نصف مكاسب الإنتاجية.
وهكذا، يمكن خفض العجز الأولي للولايات المتحدة - الذي يستبعد تكاليف خدمة الدين - في عام 2031 من 1.9% إلى 1.3% كحد أدنى، ما قد يقلص إجمالي عجز الميزانية من 5.9% إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك يعتمد على كيفية توزيع المكاسب. غير أن هذا يظل في إطار النظريات؛ ففي الواقع العملي، الوضع أكثر تعقيداً بكثير.
تتمثل إحدى المخاوف الرئيسية في التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على التفاوت الاقتصادي ومعدلات البطالة بين السكان، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة هائلة في مدفوعات الرعاية الاجتماعية. والواقع أن وفورات التكلفة التي تدفع عجلة زيادة الإنتاجية قد تنجم عن قيام الشركات بإنتاج مزيد باستخدام عدد أقل من العمال.
لكن "مختبر الميزانية" في جامعة ييل أجرى محاكاة أكثر تفصيلاً - آخذاً في الحسبان عديد من هذه المخاوف - وتوصل إلى نتائج مشابهة لتلك التي خلص إليها نهجي الأولي البسيط.
وخلاصة القول هي أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي قد تسهم في تحسين الآفاق المالية للولايات المتحدة، وإن كان من غير المرجح أن تكون كافية تماماً لانتشال البلاد فعلياً من دوامة الديون. فالولايات المتحدة تعاني عجزا مرتفعا ومزمنا يتجاوز 5%، كما أنها تطبق واحداً من أدنى معدلات الضرائب الفعلية على الشركات في العالم الصناعي. والنتيجة هي أنه - حتى في ظل سيناريوهات متفائلة نوعاً ما - قد تظل فوائد تعزيز النمو محصورة إلى حد كبير في القطاع الخاص، ولن تسهم إلا بقدر ضئيل في تحسين أوضاع المالية الحكومية.
ميزة المملكة المتحدة
ومع ذلك، في بلدان أخرى ذات معدلات ضريبية أعلى وعجز أقل، قد تشكل زيادة الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً يغير قواعد اللعبة.
لنلقِ نظرة على المملكة المتحدة. بالاستناد إلى السيناريوهات المذكورة أعلاه، أدرس التأثير المحتمل لتعزيز الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي على المالية العامة في بريطانيا، بدءاً من التوقعات الأساسية الصادرة عن مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) في المملكة المتحدة والممتدة حتى 2031.
ونظراً لأن معدلات النمو في بريطانيا أقل منها في الولايات المتحدة، فإن أي زيادة في الإنتاجية تراوح بين 0.1 و0.5 نقطة مئوية تترجم إلى زيادة نسبية أكبر في الأرباح والأجور. وعلاوة على ذلك، فإن معدلات الضرائب في المملكة المتحدة أعلى منها في الولايات المتحدة، ما يعني أن الحكومة ستحصل على حصة أكبر من هذه المكاسب. وتشير تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية الحالية إلى أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة ستبلغ 95% بحلول 2031. وفي حال افتراض...
في ظل تعزيز الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي -على غرار ما هو متوقع في الولايات المتحدة- أُقدّر أن هذه النسبة قد تنخفض إلى نحو 89%. ويمثل هذا تراجعاً بمقدار ست نقاط مئوية خلال خمس سنوات، وهو ما يعادل تقريباً ضعف معدل الانخفاض المتوقع في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها.
وتزداد الصورة إيجابية بالنسبة لدافعي الضرائب عند النظر في التأثير المحتمل على عجز الميزانية المتوقع؛ فبحلول 2031، قد تؤدي زيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بمقدار 0.1 نقطة مئوية بفضل الذكاء الاصطناعي إلى خفض عجز الميزانية بمقدار نقطة مئوية كاملة.
أما إذا جاءت الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي الناتجة عن الذكاء الاصطناعي عند الحد الأعلى للنطاق المتوقع، فقد يتقلص عجز الميزانية بما يصل إلى 1.3 نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات الحالية. وبالنسبة لدولة يُتوقع أن تسجل عجزاً يقل عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي في أواخر العشرينيات من القرن الحالي، فإن هذا يعني إمكانية خفض العجز إلى النصف إذا تحققت فوائد الذكاء الاصطناعي المرجوة.
وثمة تحفظ يتمثل في أن الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي بفضل الذكاء الاصطناعي قد تكون أقل في المملكة المتحدة مقارنة بالولايات المتحدة، نظراً لأن الاقتصاد البريطاني أقل ديناميكية. وبالطبع، تظل المشكلة في أي توقعات من هذا القبيل -كما هي الحال دائماً- تكمن في كلمة "إذا".
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز وإستراتيجي الاستثمار في شركة "بانمور ليبروم"

