الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يُقال دائماً إن "وول ستريت" ليست هي الاقتصاد الحقيقي. ولا يتجلى هذا بوضوح أكبر مما هو عليه في ثورة الذكاء الاصطناعي؛ فهذه الثورة تدفع الأسهم الأمريكية نحو مستويات قياسية غير مسبوقة، بينما تشكل في الوقت ذاته عبئاً يعيق نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.

تشهد معدلات الطلب على جميع المعدات اللازمة لإنشاء مراكز بيانات وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة ارتفاعاً هائلاً، إلا أن جزءاً كبيراً من هذا الطلب يُلبّى عبر الواردات. وهذا يؤدي إلى توسيع العجز التجاري، الذي يعمل بدوره كعامل كابح للنمو؛ ورغم أن هذا الأثر ليس كافياً لإيقاف عجلة الاقتصاد تماماً، إلا أنه يكفي للحيلولة دون تسارع وتيرة النمو بشكل مفرط.

ومن الناحية السياسية، يُعد هذا الأمر سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، يمكن لإدارة ترمب أن تدعي أنها تشرف على أكبر طفرة استثمارية في تاريخ الولايات المتحدة، وهي طفرة تدفع سوق الأسهم لتسجيل مستويات قياسية تاريخية. وتكتسب مرونة السوق أهمية استثنائية بالنظر إلى سنوات من التضخم الذي تجاوز المستهدفات، وما يرافق ذلك حالياً من ارتفاع في أسعار الفائدة وأعلى عوائد للسندات منذ 25 عاماً.

ومع ذلك، فإن معدل النمو الاقتصادي العام يبدو متواضعاً؛ فهو بالتأكيد ليس بالقوة المتوقعة بالنظر إلى المستويات القياسية للإنفاق الرأسمالي وأرباح الشركات وأسعار الأسهم، فضلاً عن سوق عمل يقترب فعلياً من حالة التوظيف الكامل.

ولا تلوح في الأفق مؤشرات تذكر على احتمال انقطاع هذه الحلقة السلبية من التأثيرات المتبادلة في الأرباع المقبلة؛ بل على العكس، من المرجح أن تزداد حدتها.

هل يتجه العجز التجاري نحو بلوغ 4% من الناتج المحلي الإجمالي؟

وفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، فإن نحو ثلاثة أرباع الزيادة في واردات السلع الأمريكية العام الماضي كانت تتركز في "المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي"، مثل "الخوادم ومعدات الحوسبة عالية الأداء".

كما قدرت ورقة بحثية صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، ونُشرت في أغسطس، أن نحو 70% من الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي يذهب لشراء سلع مستوردة. أظهرت بيانات صدرت الأسبوع الماضي اتساع العجز التجاري الأمريكي ليصل إلى 105.6 مليار دولار في شهر أغسطس -وهو أكبر عجز منذ 17 شهراً- مدفوعاً بمستويات قياسية للواردات، حيث ارتفعت المشتريات من الخارج بنسبة 4.3% لتصل إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 420.8 مليار دولار.

وقد بلغت نسبة العجز التجاري 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول و3% في الربع الثاني، ولعب إنفاق الشركات على المعدات -وخاصة تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي- دوراً رئيسياً في ذلك. وتشير بيانات أغسطس، إلى جانب الطلبيات القوية في ذلك الشهر على السلع الرأسمالية غير الدفاعية (باستثناء الطائرات)، إلى أن هذه الديناميكيات قد امتدت لتشمل الربع الثالث أيضاً. فهل يتجه العجز التجاري نحو بلوغ 4% من الناتج المحلي الإجمالي؟

يرى دين ماكي، الخبير الاقتصادي في صندوق التحوط "بوينت 72" (Point72)، أن هذه هي الحال بالفعل؛ إذ يقول: "إنها مسألة هيكلية. ونعتقد أن مستويات العجز التجاري هذه ستستمر، وربما تتزايد خلال العام المقبل".

ويوضح ماكي أن الارتفاع في واردات السلع الرأسمالية يعود في معظمه إلى الطلب المتزايد المرتبط بالذكاء الاصطناعي على أجهزة الكمبيوتر، وأشباه الموصلات، والأجهزة الطرفية، ومعدات الاتصالات. ويساعد حجم هذه الواردات على تفسير سبب بقاء النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني أعلى بقليل من 2% فقط، رغم تسارع نمو إنفاق الشركات على المعدات بنسبة تجاوزت 16%، وهي الوتيرة الأسرع منذ 5 سنوات.

ويرى ماكي أنه طالما استمرت موجة الإنفاق الكثيف على الذكاء الاصطناعي بوتيرتها الحالية، فإن العجز التجاري الأمريكي سيظل مرتفعاً، ما يشير إلى نمو حقيقي أساسي "معتدل" فقط.

الفائض الآسيوي المتصاعد

من أين تأتي هذه السلع المستوردة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؟ من آسيا.

ففي الأسبوع الماضي، كشفت شركتان آسيويتان رائدتان في مجال الذكاء الاصطناعي -وهما "سامسونج" و"تي إس إم سي" (TSMC)- عن الجانب الإيجابي لهذه التدفقات التجارية. فقد أعلنت "سامسونج"، أكبر شركة لتصنيع رقائق الذاكرة في العالم، عن توقعاتها بتحقيق أرباح في الربع الثالث تبلغ نحو 80 مليار دولار -وهو رقم قياسي للأرباح الربعية لأي شركة تكنولوجيا- بينما كشفت "تي إس إم سي"، أكبر شركة لتصنيع الرقائق بنظام التعاقد في العالم، عن إيرادات قياسية للربع الثالث بلغت 46.7 مليار دولار.

يشير براد سيتسر، الخبير في تتبع تدفقات رأس المال العالمية والزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن كوريا الجنوبية وتايوان حققتا فائضاً تجارياً مجمعاً بمعدل سنوي بلغ 800 مليار دولار في سبتمبر، ارتفاعاً من 100 مليار دولار قبل عامين. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن البلدين في طريقهما لتسجيل فائض مجمع في الحساب الجاري بقيمة تريليون دولار في العام المقبل. وقد علّق سيتسر على منصة "إكس" الأسبوع الماضي واصفاً الأمر بأنه "أمر جنوني".

ويشكل هذا أيضاً تحدياً للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي استهدفت حروبه التجارية العالمية تقليص العجز التجاري ومعاقبة بقية العالم على "استغلال" الولايات المتحدة لعقود. وتُظهر معدلات الواردات القياسية واتساع العجز -مقترنة بفائض تجاري قياسي لدى شركاء تجاريين رئيسيين في الخارج، بمن فيهم الصين- أن هذه السياسات لا تؤتي ثمارها كما كان مخططاً لها.

قد تنجح هذه السياسات بمرور الوقت، تماماً كما قد تنطلق طفرة الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في مرحلة ما؛ لكن من غير المرجح أن يحدث ذلك قريباً. ففي الوقت الراهن، تعمل طفرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز أداء "وول ستريت" أكثر من تعزيزها للناتج المحلي الإجمالي.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية