الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في إدارة المالية العامة، لا تكفي معرفة حجم الدين لمعرفة اتجاهه. فقد يكون الرقم مرتفعًا لكنه مستقر وموزع على آجال طويلة، وقد يكون أقل حجمًا لكنه ينمو بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة.

وتهم هذه المسألة القارئ العادي أيضًا، لأن تكلفة التمويل في الاقتصاد تنعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على تكلفة الاقتراض والتمويل للأفراد والشركات. لذلك، عندما يتجاوز رصيد الدين في منتصف العام التقدير الموضوع لنهايته، فإن السؤال الاقتصادي لا يتعلق بالرقم وحده، وإنما بما إذا كان هذا التطور يعكس تغيرًا في الاحتياجات التمويلية، أو اختلافًا في توقيت الإصدارات والسداد، أو تحولًا في المسار المالي المتوقع.

وهذه هي الحالة التي تستحق القراءة في السعودية خلال 2026. فقد قدرت الميزانية رصيد الدين العام بنحو 1.622 تريليون ريال بنهاية العام، بما يعادل 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي نهاية الربع الثاني، بلغ إجمالي الدين الحكومي 1.685 تريليون ريال، بما يعادل 33.9% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات الناتج لعام 2026. ولا تعني المقارنة بين الرقمين بالضرورة تجاوزًا لخطة الاقتراض؛ فخطة التمويل السعودية تقوم على إدارة الاحتياجات التمويلية وفق ظروف الأسواق.

وقد تم تأمين نحو 90% من الاحتياجات التمويلية للسعودية قبل الأحداث الجيوسياسية في المنطقة. ولذلك، فإن الفارق بين الرصيد الفعلي والتقدير السنوي لا يُقرأ بمعزل عن توقيت عمليات التمويل، وإنما يطرح سؤالًا أوسع حول كيفية إدارة مسار الدين وتوزيع الاحتياجات التمويلية على مدار العام.

وتقدر خطة الاقتراض السنوية لعام 2026 الاحتياجات التمويلية بنحو 217 مليار ريال، منها نحو 165 مليار ريال لتمويل العجز المتوقع في الميزانية، ونحو 52 مليار ريال لسداد مستحقات أصل الدين. ويعكس هذا التوزيع أن جزءًا من الاحتياجات التمويلية يرتبط بالعجز المتوقع في الميزانية، بينما يرتبط الجزء الآخر بإدارة استحقاقات الدين القائمة.

كما أن توقيت الإصدارات يمثل عنصرًا مهمًا في إدارة تكلفة التمويل. فالتمويل الاستباقي يتيح مساحة أكبر لاختيار توقيت الإصدار وهيكل آجاله ومصادره، وقد يوفر فرصة لتثبيت تكلفة التمويل قبل تغير ظروف الأسواق أو اتساع هوامش المخاطر السيادية. ومن هذه الزاوية، فإن تأمين نسبة كبيرة من الاحتياجات التمويلية مبكرًا لا يتعلق فقط بتوفير السيولة، بل يمكن أن يكون جزءًا من إدارة مخاطر السوق وتوقيت التمويل.

وتأتي هذه الاحتياجات ضمن ميزانية تقدر نفقاتها بنحو 1.313 تريليون ريال وإيراداتها بنحو 1.147 تريليون ريال، في حين قدرت الميزانية الاحتياطيات الحكومية لدى البنك المركزي بنحو 390 مليار ريال بنهاية العام. وتضع هذه الأرقام الدين ضمن إطار مالي أوسع يجمع بين الإيرادات والإنفاق والاحتياطيات ومصادر التمويل.

وفي المقابل، تمتلك المملكة قاعدة واسعة من الأصول والاستثمارات الحكومية، وتجاوزت الأصول المدارة لصندوق الاستثمارات العامة 900 مليار دولار في 2025. وتضع هذه المعطيات قضية الدين ضمن سياق أوسع من مجرد تمويل العجز: كيف تتم الموازنة بين تمويل الاحتياجات الحالية والاحتفاظ بالأصول التي يمكن أن تحقق عوائد أو قيمة اقتصادية مستقبلية؟

والاقتراض وتسييل الأصول لا يمثلان بديلين متطابقين. فتسييل أصل يوفر موارد مالية مباشرة، لكنه يغير حجم وتركيبة محفظة الأصول. أما الاقتراض فيوفر التمويل مع الإبقاء على الأصل، لكنه ينشئ التزامًا ماليًا يرتبط بخدمة الدين وسداد أصل التمويل. ولذلك، فإن المقارنة الاقتصادية بين الخيارين تعتمد على تكلفة التمويل، والعائد المتوقع من الأصول، واحتياجات السيولة، وآجال الالتزامات، وطبيعة الاستخدامات التي يوجه إليها التمويل.

ولا تقتصر أهمية الإصدارات الحكومية على تمويل الاحتياجات العامة، إذ تؤدي الإصدارات بالريال السعودي دورًا في تطوير سوق الدين المحلية. فانتظام الإصدارات وتنوع آجالها يساعدان على بناء منحنى عائد حكومي يمكن أن يشكل مرجعًا تسعيريًا للأدوات المالية الأخرى، ويمنح البنوك والشركات والمستثمرين أساسًا أكثر وضوحًا لتقييم تكلفة التمويل والمخاطر عبر آجال مختلفة. ومن ثم، فإن إدارة الدين العام يمكن أن تمتد آثارها إلى كفاءة سوق رأس المال المحلية، وليس إلى المالية العامة وحدها.

وتزداد أهمية طبيعة استخدام الدين عندما يكون جزء منه موجهًا إلى تمويل مرحلة استثمارية واسعة. فالتمويل الموجه إلى البنية التحتية أو المشاريع الرأسمالية يرتبط بأصول أو قدرات إنتاجية تمتد آثارها إلى سنوات لاحقة، بينما يرتبط تمويل النفقات الجارية بالتدفقات المالية خلال الفترة التي يتم فيها الإنفاق. ومن ثم، فإن قراءة الدين تتطلب النظر إلى ما يموله بقدر النظر إلى حجمه.

وتقدم النرويج تجربة مختلفة في تنظيم العلاقة بين الثروة السيادية والمالية العامة. فمنذ  2001، تستند السياسة المالية هناك إلى قاعدة تربط التحويلات من صندوق الثروة السيادي إلى الموازنة، على المدى الطويل، بالعائد الحقيقي المتوقع للصندوق. وقد حُدد هذا العائد عند 4% عند وضع القاعدة، ثم خُفض إلى 3% ابتداء من 2017 مع انخفاض تقديرات العوائد طويلة الأجل. كما تتيح القاعدة قدرًا من المرونة في التعامل مع الدورات الاقتصادية، مع الحفاظ على القيمة الحقيقية للصندوق على المدى الطويل.

وتبرز التجربة النرويجية أهمية وجود إطار واضح ينظم العلاقة بين الثروة السيادية والمالية العامة، بما يعزز القدرة على التخطيط طويل الأجل ويحافظ على اتساق القرارات المالية مع تطور الاقتصاد.

 وفي السعودية، تكتسب هذه العلاقة أهمية متزايدة مع اتساع قاعدة الأصول الحكومية، وتنوع مصادر التمويل، واستمرار الإنفاق الاستثماري المرتبط بمسار التحول الاقتصادي. ويتيح هذا التطور بناء رؤية أكثر تكاملًا لإدارة الدين والأصول والإنفاق، بحيث تُقرأ قرارات التمويل ضمن مسار مالي واستثماري طويل الأجل، وليس كل قرار بمعزل عن الآخر.

مسارات لتعزيز كفاءة التمويل العام

أولا. اعتماد معيار واضح لقياس كفاءة استخدام الدين

الإفصاح الدوري عن طبيعة الاستخدامات التي تمولها الإصدارات الجديدة، مع توضيح حصة التمويل الموجهة إلى المشاريع الرأسمالية والبنية التحتية مقارنة بالنفقات الجارية، بما يتيح قراءة كفاءة استخدام الدين إلى جانب قياس حجمه.

ثانيا تعزيز قراءة مسار الدين مقارنة بالتقديرات السنوية

إبراز الفارق بين رصيد الدين الفعلي والتقديرات السنوية، مع تفسير أثر الإصدارات الاستباقية، وسداد أصل الدين، وتغير الاحتياجات التمويلية، بما يوفر قراءة أكثر دقة لمسار الدين خلال العام.

ثالثا بناء قراءة أكثر شمولًا لكفاءة الدين

الجمع بين تكلفة التمويل، وآجال الاستحقاق، وخدمة الدين، وتوزيع مصادر التمويل، وطبيعة استخداماته، ضمن تحليل واحد متكامل، بدل الاكتفاء بنسبة الدين إلى الناتج المحلي وحدها.

رابعا . تطوير الربط التحليلي بين الدين والائتمان المصرفي

ربط المؤشرات المنشورة حول نمو الائتمان، ونسبة القروض إلى الودائع، وجودة الأصول والقروض المتعثرة، بتطور الإنفاق الاستثماري والتمويل الحكومي، بما يوضح بصورة أفضل العلاقة بين دورة الاستثمار العام والقدرة التمويلية للقطاع المصرفي والقطاع الخاص.

في النهاية، لا تُقرأ مسيرة الدين العام من حجمه وحده، بل من العلاقة بين تكلفة التمويل واستخداماته وآجال استحقاقه والقدرة على خدمته مع تطور الاقتصاد. وكلما اتسعت الاحتياجات التمويلية وتنوعت مصادر رأس المال، أصبحت كفاءة هذه العلاقة أكثر أهمية في تحديد المسار المالي طويل الأجل.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية