قلت في مقال كتبته في هذه الصحيفة قبل نحو 4 سنوات إن هناك مقولة نصها "ويل لأمة لا تأكل مما تزرع ولا تلبس مما تصنع" وأضفت لها آنذاك ولا تصنع سلاحها .. وأضيف اليوم صناعة الدواء .. لأهمية ذلك كما ظهر أثناء أزمة الكورونا، حيث أوقفت بعض الدول تصدير الدواء لكن بلادنا كان لها من الاحتياط والمخزون وحسن الإدارة ما جنبها بفضل الله تداعيات الأزمة، بل وشهد العالم بتفوق السعودية في إدارة الأزمة.
ومن هنا اهتمت بلادنا بصناعة الدواء وفق أهداف وبرامج رؤية 2030 كما اهتمت بصناعة السلاح وتحقيق هدف مرحلي بأن تصنع بلادنا 50% على الأقل من السلاح الذي تحتاج إليه بحلول 2030 فيما بلغت نسبة التوطين في الصناعات العسكرية 68% بحسب ما أُعلن في معرض الدفاع. وأبدأ بالحديث عن صناعة السلاح كوننا قد عشنا الأسبوع الماضي أجواء معرض الدفاع العالمي 2026 الذي عُقد في الرياض، وما شهده من توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات في مجالات التصنيع العسكري والأمني مع عدد من الدول متضمنة تأكيد لما تشترطه السعودية في الاتفاقات الدفاعية من (توطين) للصناعات العسكرية بنسبة محددة.
وهذه الاتفاقيات التي تنص على التوطين تتم مع جميع الدول بلا استثناء، فالولايات المتحدة الأمريكية الشريك الأساس في التسليح خصوصاً سلاح الجو التي حظيت طائرة F35 باهتمام الزوار ووسائل الإعلام عند مشاركتها في المعرض ومنظومات الدفاع الجوي والمسيرات المتطورة لم تكن استثناء من قاعدة التوطين خصوصا في قطع الغيار أو أنظمة التشغيل والمساندة.
وكذلك الحال مع الدول الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا، والانفتاح على عقود التسليح مع روسيا والصين والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا للتعاون في مختلف تقنيات السلاح سواء الطائرات بدون طيار "الدرونز" وتقنيات الصواريخ الإستراتيجية ومنظومات مضادات الدروع كلها باستحضار القيمة المضافة المتمثلة في توطين أجزاء من هذه الصناعات وتحقيق اشتراط المحتوى المحلي في كل ما يتم الاتفاق عليه.
وهو الهدف المعلن في رؤية السعودية، والذي أكد عليه محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية أحمد بن عبد العزيز العوهلي بقوله "إن من أهداف معرض الدفاع العالمي تبادل المعرفة وتطوير نقل التقنية والاطلاع على التقنيات الحديثة في مجال الصناعات العسكرية".
وهذا التوجه والوضوح مع تميز البنية التحتية للتصنيع والاستثمار وأنظمة الشراكات في السعودية هي ما حفزت أكثر من 1486 جهة من 89 دولة إضافة إلى عديد من الجهات الحكومية وكبرى الشركات الوطنية والعالمية على المشاركة في هذه النسخة، والتي شهدت توقيع 73 مذكرة تفاهم وعقودا بقيمة 33 مليار دولار كما أشار العوهلي، وكدليل على نجاح التوجه السعودي لصناعة السلاح ما صرحت به "شركة لوكهيد مارتن" وهي المعروفة في هذا المجال "كنا نبيع منتجاتنا للسعودية والآن نصنع منتجاتنا فيها".
وعودة لصناعة الدواء التي أراها الركيزة الأخرى في توفير الأمن والتطور للدول فالمتابع يرى بلادنا قد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال وآخر الخطوات المهمة في هذا الاتجاه اتفاق وزارة الصناعة والثروة المعدنية مع وزارة المالية على استحداث بند خاص بتوطين الصناعات الدوائية في ميزانيات الجهات الصحية الحكومية تأكيدًا ودعمًا لمساعي وزارة الصناعة لتطوير صناعات دوائية قادرة على تحقيق الأمن الدوائي للسعودية وجعلها مركزًا لهذه الصناعات المهمة التي يقدّر حجمها السوقي بأكثر من 30 مليار ريال .
وتعمل وزارة الصناعة على وضع التشريعات اللازمة لتوطينها بالشراكة مع أطراف المنظومة والجهات الحكومية ذات العلاقة، مع حماية الأسواق من المنافسة غير العادلة والمنتجات الرديئة بالتعاون مع هيئة الغذاء والدواء وهيئة المواصفات والمقاييس.
وأخيرًا: هذه صورة واضحة لواقع الاهتمام بصناعة الدواء والسلاح في مرحلة مفصلية من بناء قوة بلادنا التي تملك جميع الإمكانيات لتكون دولة يضرب بها المثل إقليميًا وعالميًا، وعلى الرغم من أهمية الصناعات الأخرى فإن صناعات الغذاء والدواء والسلاح لها الأولوية في عصر ترسم فيه السياسات بعناية بحيث يتم التركيز على توطين صناعة المنتجات الضرورية التي يصعب توفيرها في أوقات الأزمات والحروب عن طريق الاستيراد.
كاتب اقتصادي
