الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الخصخصة .. هل نبيع "الأصول" أم نُصدّر "المخاطر"؟

د. نوف البلوي
الأربعاء 31 ديسمبر 2025 13:1 |2 دقائق قراءة

في النقاشات العامة، غالباً ما تُختزل الخصخصة في كونها مجرد عملية نقل للملكية من الدولة إلى القطاع الخاص، وكأنها قرار مالي أو إداري بحت يهدف لتخفيف أعباء الميزانية العامة. غير أن هذا المنظور المحاسبي الضيق يغفل الجوهر الأكثر عمقاً لهذا التحول؛ فالخصخصة في حقيقتها ليست مجرد "بيع أصول"، بل هي إعادة هندسة شاملة للعلاقة القانونية والاقتصادية بين الدولة والسوق عبر إعادة توزيع المخاطر. 

 ومن هنا تحديداً تنبع أهميتها بوصفها أداة اقتصادية إستراتيجية، لا مجرد خيار تنظيمي عابر، حيث يبرز الدور القانوني هنا كأداة اقتصادية محضة تحوّل حالات عدم اليقين إلى التزامات تعاقدية قابلة للتنبؤ والقياس.

إن كفاءة السياسات الاقتصادية لا تُقاس اليوم بكمّ ما تنفقه الدولة، بل بقدرتها الفنية على تحديد من يتحمل المخاطر، وكيف تُسعّر، ومن يمتلك الأدوات اللازمة لإدارتها بكفاءة أعلى. وفي نماذج الخصخصة الحديثة، لا تختفي الدولة من المشهد كما يروج البعض، بل يعاد تعريف دورها بشكل أكثر ذكاءً؛ فهي لم تعد "المشغّل المباشر" للخدمة، لكنها تحتفظ بوظيفتها التنظيمية والرقابية، وتحدد قواعد السوق، وتضع حدود المخاطر التي يمكن نقلها إلى المستثمر.

وبهذا المعنى، لا تنتقل المخاطر كلها دفعة واحدة، بل يُعاد توزيعها بدقة: تُنقل المخاطر التشغيلية والتمويلية إلى القطاع الخاص ليكون دافع الربح وتجنب الخسارة محركاً للابتكار، بينما تحتفظ الدولة بالمخاطر السيادية والتنظيمية التي لا يمكن تسعيرها بسهولة أو تحميلها للسوق.

هذا التوزيع ليس مجرد مسألة نظرية، بل له آثار اقتصادية مباشرة؛ فعندما يتحمل القطاع الخاص مخاطر التشغيل، يصبح أكثر حرصاً على رفع الكفاءة وخفض التكاليف وتحسين الجودة، لأن الخسارة لم تعد تُموَّل من خزينة المال العام. وفي المقابل، يؤدي وضوح دور الدولة وحدود تدخلها إلى خفض درجة عدم اليقين لدى المستثمر، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض "علاوة المخاطر" وتكلفة التمويل. وهنا تتحول القواعد القانونية الواضحة إلى عامل جذب استثماري يتجاوز في أهميته الحوافز المالية التقليدية، وتصبح العقود أدوات ديناميكية لإدارة المخاطر العابرة للحدود.

تُظهر التجارب الدولية الناجحة أن الخصخصة لا تُبنى على التخلي عن الدور العام، بل على إعادة هندسته؛ فالدول التي اعتمدت نماذج تعاقدية متقدمة في البنية التحتية صممت عقودها بحيث تُوزَّع المخاطر بشكل صريح ومسبق، ما خفّض النزاعات وقلّل كلفة التنفيذ. وفي المقابل، تفشل الخصخصة عندما تُستخدم كأداة مالية قصيرة الأجل لسد العجز، لأن غياب التوزيع المتوازن للمخاطر يؤدي إما إلى تحميل الدولة أعباءً خفية مستقبلاً، أو إلى نقل تكاليف غير عادلة إلى المستهلك النهائي.

إن الخصخصة في جوهرها ليست مسألة "من يملك"، بل هي تساؤل إستراتيجي حول "من يتحمل ماذا، ولماذا، وكيف"، لتصبح جزءاً من هندسة اقتصادية تهدف إلى تحقيق الاستدامة والكفاءة، بعيداً عن الجدل الأيديولوجي أو الحلول المالية المؤقتة.

مستشار في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية