الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الخصخصة "جوهرة التاج الاقتصادي"

بكر الهبوب
الأربعاء 4 فبراير 2026 11:48 |3 دقائق قراءة

لا تكتسب الخصخصة قيمتها الحقيقية من كونها أداة مالية أو خيارًا إداريًا، بل من موقعها كأحد أكثر القرارات دلالةً على نضج الدولة وقدرتها على إعادة تعريف دورها الاقتصادي. فهي ليست انتقالًا من حضور الدولة إلى غيابها، بل تحوّل في طبيعة هذا الحضور من إدارة مباشرة إلى حوكمة ذكية، ومن التحكم في الوسائل إلى ضبط النتائج، ومن الامتلاك إلى التنظيم.

تاريخيًا، تمر الدول بمراحل تتوسع فيها سلطة الدولة التنفيذية كلما كانت الأسواق غير مكتملة والمؤسسات في طور التشكّل. في هذه المراحل، يكون تدخل الدولة المباشر ضرورة لضمان الاستقرار وبناء القاعدة الاقتصادية. غير أنَّ استمرار هذا الدور مع تعقّد الاقتصاد واتساعه غالبًا ما يولّد تحديات تتعلق بالكفاءة، وتراكم الأعباء، وتضارب الأدوار. هنا تبدأ لحظة التحول، حيث تدرك الدولة أن قوتها لم تعد تقاس بمدى إدارتها للأصول، بل بقدرتها على تصميم القواعد التي يعمل في ظلها الجميع.

في هذا السياق، برزت الخصخصة في تجارب كبرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين بوصفها جزءًا من إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والسوق. ففي الولايات المتحدة خلال السبعينات، ومع تعقّد الاقتصاد وتزايد نفوذ الشركات، لم يكن التحدي في كبح القطاع الخاص بقدر ما كان في تنظيم حضوره ضمن منظومة توازن دقيقة بين الاستثمار والمصلحة العامة.

ومن هنا تبلورت حزمة أدوات متكاملة يمكن النظر إليها كـ"ثالوث للتوازن الاقتصادي"، شملت تطوير آليات لتقييم أثر السياسات والتشريعات، وتعزيز أطر المنافسة، وبناء منظومات أكثر نضجًا لحماية المستهلك. وهو ما أتاح للأسواق أن تكون أكثر تحررًا من جهة، وأكثر انضباطًا من جهة أخرى، في انتقال لم يكن انسحابًا للدولة، بل تحولًا إلى دور أعمق وأكثر تعقيدًا.

أمَّا في بريطانيا خلال الثمانينات، فقد جاءت الخصخصة كاستجابةٍ لمرحلة وصلت فيها الدولة إلى أقصى طاقتها التشغيلية، ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف دورها الاقتصادي. وأظهرت التجربة أن نقل الملكية، على أهميته، لا يحقق كامل أهدافه ما لم يتزامن مع بناء أطر تنظيمية مستقلة، تفصل بوضوح بين من يضع القواعد ومن يعمل داخلها. وقد أسهمت الخبرة العملية لتلك المرحلة في إبراز أهمية التدرج والتكامل بين فتح القطاعات وتطوير منظومة الضبط، وهو ما ظهر لاحقًا في تعزيز أدوات رقابية أكثر نضجًا واستدامة.

هذه التجارب لا تُستدعى اليوم بوصفها نماذج جاهزة، بل باعتبارها محطات تَعَلّمْ تؤكد أن الخصخصة تبلغ ذروتها حين تُعامل كمسارٍ مؤسسيٍّ متكامل لا كحدث منفصل. فهي تفترض وجود دولة قادرة على الموازنة بين أطراف متعددة؛ مستثمرٍ يبحث عن وضوحٍ واستقرار، ومستهلكٍ يتطلع إلى جودةٍ وعدالة، واقتصادٍ وطنيٍّ يسعى إلى الكفاءة والاستدامة. وكلما نضجت هذه الموازنة، تحولت الخصخصة من إجراء تقني إلى علامة ثقة راسخة في بنية الحكم الاقتصادي.

من هذا المنطلق، يمكن فهم التوجه السعودي نحو التخصيص بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمسار أوسع من الإصلاحات المؤسسية وإعادة هيكلة الاقتصاد. ففتح القطاعات الحيوية أمام نماذج تشغيل واستثمار متنوعة لا يعبّر فقط عن السعي إلى تعظيم الكفاءة، بل يجسّد إدراكًا بأن تعقيد الاقتصاد الحديث يتطلب توزيع الأدوار بوضوح، وبناء شراكات قائمة على قواعد مستقرة وقابلة للتنبؤ. وهو ما يجعل التخصيص جزءًا من مشروع إعادة تعريف الدور الحكومي، لا خروجًا عنه.

ومع اتساع هذا المسار، تبرز أهمية أن تسير الخصخصة جنبًا إلى جنب مع تطوير أدوات الضمان المؤسسي، التي تعمل كصمامات توازن تحافظ على انسجام العلاقة بين أطراف السوق. فالتجارب السابقة تشير إلى أن قوة الخصخصة لا تكمن في سرعتها، بل في قدرتها على التعايش مع منظومة تنظيمية مرنة، قادرة على التعلّم والمراجعة والتصحيح. وكلما كان هذا التفاعل حيًا، تحولت الخصخصة من إجراء تنظيمي إلى مصدر استقرار وثقة، لا إلى مجال اختبار.

في المحصلة، تستحق الخصخصة أن توصف بـ"جوهرة التاج الاقتصادي" ليس لأنها تقلّص دور الدولة، بل لأنها تكشف عن نضج هذا الدور. فهي اللحظة التي تثق فيها الدولة بمؤسساتها، وتستثمر في قدرتها على الحكم بالقواعد لا بالإدارة، وعلى قيادة الاقتصاد عبر الحوكمة لا الملكية. وحين تُصاغ بهذا الفهم، تصبح الخصخصة إحدى أكثر الأدوات قدرة على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والاتزان المؤسسي، وترجمة هذا التوازن إلى استدامة طويلة الأجل.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية