الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

يواصل حقل الجافورة ترسيخ مكانته كأكبر مشروع للغاز غير التقليدي في الشرق الأوسط، وأحد أكبر مشاريع الغاز غير التقليدي الجاري تطويرها عالميًا. ومع إعلان تطوير محطة توليد مشترك للكهرباء والبخار بالشراكة مع شركة الكهرباء الكورية الجنوبية "كيبكو"، عاد الجافورة مجددًا إلى دائرة الاهتمام، خصوصًا مع انتقاله إلى مرحلة جديدة من التطوير بعد سنوات من النقاش حول حجم المشروع وطموحاته التشغيلية والإنتاجية.

حيث يظهر دخول الجافورة إلى المرحلة الثانية من التطوير انتقال المشروع من التركيز على مرافق الإنتاج المبكر والمعالجة الأولية إلى التوسع في البنية التحتية الداعمة للإنتاج طويل الأجل، بما يشمل مرافق المعالجة والطاقة وشبكات النقل والضغط اللازمة لاستيعاب النمو المستقبلي للإنتاج. وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة نظرًا لطبيعة المشروع المعقدة.

فعلى الرغم من انتشار موارد الغاز غير التقليدي في عديد من دول العالم، فإن تطويرها تجاريًا على نطاق واسع ظل مرتبطًا إلى حد كبير بالتجربة الأمريكية، التي استفادت من عقود من الخبرة المتراكمة وسلاسل الإمداد المتخصصة والبنية التحتية الداعمة لهذا النوع من المشاريع.

ولهذا السبب، لم يكن الاهتمام بالجافورة مرتبطًا بحجم موارده فقط، بل بطبيعة المكمن نفسه. فالمكامن منخفضة النفاذية تتطلب الحفر الأفقي طويل الامتداد والتكسير الهيدروليكي متعدد المراحل للحفاظ على معدلات إنتاج مستقرة ومجدية اقتصاديًا، وهي من أكثر تقنيات تطوير المكامن تطلبًا من الناحية التشغيلية والهندسية. 

ويزداد هذا التحدي بالنظر إلى امتداد الحقل على مساحة تقارب 17 ألف كيلومتر مربع، ما استدعى تطوير شبكة واسعة من الآبار ومرافق المعالجة وخطوط الأنابيب ومحطات الضغط والبنية التحتية المساندة لدعم التوسع التدريجي للإنتاج على مدى سنوات طويلة.

ولا يقتصر تطوير الجافورة على حفر الآبار وإنتاج الغاز فحسب، بل يشمل مرافق قادرة على التعامل مع مزيج إنتاجي متعدد الخصائص. فالغاز يحتاج إلى معالجة وتجفيف وإزالة الشوائب قبل ضخه في الشبكة، بينما يتطلب الإيثان وسوائل الغاز الطبيعي والمكثفات عمليات فصل واستخلاص وتجزئة مختلفة لاستخدامها كلقيم بتروكيماوي أو كمنتجات قابلة للتكرير والتصدير. وتظهر هذه التوسعات أن تطوير الجافورة لا يرتبط بزيادة أعداد الآبار فقط، بل بتوسيع مرافق المعالجة والطاقة والبنية التحتية اللازمة لدعم الإنتاج على المدى الطويل.

وتظهر المراحل التي أنجزها المشروع حتى الآن، بدءًا من الإنتاج المبكر وتشغيل مرافق المعالجة ووصولًا إلى التوسع المستمر في البنية التحتية والانتقال إلى المرحلة الثانية من التطوير، تقدمًا ملموسًا في واحدة من أكثر عمليات تطوير الغاز غير التقليدي طموحًا خارج أمريكا الشمالية.

ومع انتقال المشروع إلى مراحل أكثر تقدمًا من التطوير، تبدأ الأبعاد الاقتصادية للجافورة في الظهور بصورة أوضح. حيث تتجاوز أهمية الجافورة زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، إذ يمثل المشروع استثمارًا إستراتيجيًا يهدف إلى رفع القيمة الاقتصادية للموارد الهيدروكربونية وتعزيز كفاءة استخدامها داخل السعودية. وبحسب المستهدفات المعلنة، يُتوقع أن يصل إنتاج المشروع بحلول عام 2030 إلى نحو ملياري قدم مكعبة قياسية يوميًا من غاز البيع، إضافة إلى نحو 418 مليون قدم مكعبة يوميًا من الإيثانو ما يقارب 630 ألف برميل يوميًا من المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي.

وتكمن أهمية هذه المنتجات في تنوع استخداماتها وقيمتها الاقتصادية. فالإيثان يعد من أهم اللقيمات المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية، بينما تستخدم المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي في التكرير وإنتاج الوقود والنافثا والعديد من المنتجات الكيميائية والصناعية. ولذلك لا تقتصر قيمة المشروع على زيادة إمدادات الغاز، بل تمتد إلى توفير مواد أولية تدعم قطاعات صناعية متعددة وتسهم في رفع القيمة المضافة للموارد المنتجة محليًا.

كما يدعم الجافورة التوجه نحو زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة المحلي، ما يسهم في تقليل استهلاك النفط الخام والسوائل النفطية في بعض الاستخدامات المحلية، ويمنح مرونة أكبر في توجيه هذه الموارد إلى الاستخدامات الأعلى قيمة اقتصاديًا. وتزداد أهمية هذا الدور مع استمرار النمو في الطلب المحلي على الطاقة والتوسع الصناعي ومشاريع التعدين والمدن الصناعية الجديدة. فمع نمو الاقتصاد، ترتفع الحاجة إلى مصادر طاقة مستقرة وقادرة على دعم النشاط الصناعي طويل الأجل، وهو ما يجعل الغاز الطبيعي عنصرًا أساسيًا في تلبية هذا الطلب بكفاءة أكبر.

ولا يقتصر أثر الجافورة على السوق المحلية، بل يمتد إلى أسواق الطاقة العالمية من خلال المنتجات المصاحبة للإنتاج، وعلى رأسها المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي. فبحسب المستهدفات المعلنة، يُتوقع أن يصل إنتاج هذه المنتجات إلى نحو 630 ألف برميل يوميًا عند اكتمال مراحل تطوير المشروع، وهو مستوى يضع الجافورة ضمن المصادر المؤثرة في أسواق المكثفات العالمية، خصوصًا في ظل الطلب المتزايد عليها في قطاعات التكرير والبتروكيماويات.

وقد بدأت السعودية بالفعل تصدير أولى شحنات المكثفات المنتجة من الجافورة إلى الأسواق العالمية، ما يعكس دخول المشروع إلى الدورة التجارية الدولية منذ المراحل المبكرة من تطويره. كما يُتوقع أن تتجه نسبة مهمة من هذه الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية التي تمثل المحرك الرئيسي لنمو الطلب العالمي على الطاقة والمنتجات البتروكيماوية. ومع التوسع التدريجي في إنتاج المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي، يُنتظر أن يسهم الجافورة في تعزيز مرونة الإمدادات العالمية لهذه المنتجات، ودعم أمن الطاقة، وتوفير مصدر إضافي للمواد الأولية التي تعتمد عليها صناعات التكرير والبتروكيماويات في عدد من الأسواق الرئيسية حول العالم.

وبينما لا يزال الجافورة في مراحل التطوير التدريجي نحو مستهدفاته النهائية، فإن ما تحقق حتى الآن يشير إلى أن المشروع يتجاوز كونه مجرد إضافة جديدة إلى إنتاج الغاز في السعودية. فمن خلال حجمه، وتعقيده الهندسي، وتأثيره المتوقع على مزيج الطاقة المحلي، ودوره المتنامي في أسواق المنتجات المصاحبة للغاز، يرسخ الجافورة مكانته كأحد أبرز مشاريع الطاقة الجاري تطويرها عالميًا.

ومع استمرار التوسع في مراحله المقبلة، ستتضح بصورة أكبر مساهمته في دعم أمن الطاقة، والنمو الصناعي، وتعزيز القيمة الاقتصادية للموارد الهيدروكربونية السعودية على المدى الطويل.

مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية