محمد كركوتي
لنترك جانباً ما يمكن وصفه بـ "الصراع" حول مستقبل القيادة العالمية، بين الولايات المتحدة والصين. هذا الأمر، وإن كان مطروحاً في كل الأوقات، وخصوصاً بعد الصعود الاقتصادي الصيني، إلا أنه لا يشكل عملياً عمق الخلاف بين أكبر اقتصادين في العالم، على الأقل في الوقت الراهن. الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبكين، طرحت كثيراً من الأسئلة، وقدمت قليلاً جداً من الإجابات.
الخلافات ظلت باقية. الملف الوحيد الأكثر "إنجازا" حتى الآن، هو ذاك المتعلق باتفاق التهدئة بين الطرفين، الذي نشر الارتياح المرحلي في الأجواء منذ العام الماضي، والذي أوقف في الواقع المعارك المتعددة ضمن الحرب التجارية. لم يظهر أي مؤشر على اختراقات يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة، هناك تفاهمات تتطلب كثيراً من الوقت والثقة بين بكين وواشنطن.
التنافس بين هاتين الوقتين يزداد بأشكال وساحات مختلفة، يضاف إليها عدم وضوح الرؤية بمدى الثقة بينهما، بالرغم من الخطوات الإيجابية التي تمت في الأشهر الماضية، ضمن نطاق "برنامج التهدئة" إن جاز القول. لم تكن الحكومة الصينية غامضة في توصيفها للاتفاقات التي تمت خلال زيارة ترمب، بل قالتها بوضوح: "إنها اتفاقات أولية".
معنى ذلك، أنها خاضعة ليس فقط لمزيد من المشاورات والمحادثات والمفاوضات، بل لماحة زمنية، ربما تجاوزت حتى فترة بقاء ترمب في البيت الأبيض. غالباً ما كانت الأطراف تلعب على الوقت، وقد اعتادت الصين على ذلك في تعاملاتها مع الأطراف الدولية كلها. ولذلك، يبقى السؤال الكبير مطروحاً على الساحة، هل بدأت نهاية الخلافات بين بكين وواشنطن؟ أم أنه تم ترحيل أغلبيتها لمراحل لاحقة؟
لم تدخل هذه الخلافات في مسار النهاية، وربما لن يحدث ذلك لسنوات عديدة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار، ملفات محورية حساسة وعلى رأسها "الملف التايواني". هذا الأخير يبقى عالقاً، حتى لو أدى الأمر إلى استفحال الخلافات. يضاف إلى ذلك، أن "رؤية" الرئيس الأمريكي التجارية، تبقى مثيرة للشك والريبة ليس عند الصين فحسب، بل حتى عند ما كان يعرف بـ "الحلفاء" الغربيين للولايات المتحدة.
حتى موافقة بكين على شراء 200 طائرة من طراز "بوينج"، التي أعلنها ترمب، تلف حولها الشكوك، ولا سيما أنه لا يوجد جدول زمني مرتبط بها، وبعدد من الاتفاقات، أو لنقل "الموافقات" الأخرى.
هناك عشرات الملفات، الثنائية والدولية المرتبطة بالصين والولايات المتحدة، وكلها لا تزال عالقة، بما فيها مستقبل العلاقات التجارية، التي تمثل حجر الزاوية عند بكين، فيما يرتبط بنموها الاقتصادي.
زيارة ترمب للصين بكل أشكالها الاحتفالية، كانت مهمة بالفعل، وأهميتها تكمن بالاتفاق "المؤكد" للحفاظ على "إستراتيجية التهدئة"، لكن أحداً لا يمكنه أن يحدد، إلى أي مدى ستدوم، كما أنه من الصعب توقع اختراقات قريبة لملفات بعضها سيبقى (كما كان منذ البداية) معقداً.
كاتب اقتصادي
