الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 4 يونيو 2026 | 18 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

التنمية ركيزة الأمن والاستقرار في عالم مضطرب

أكيهيكو نيشيو
الخميس 4 يونيو 2026 12:33 |4 دقائق قراءة

جلست، في الشهر الماضي، في قاعة بمدينة ليون الفرنسية، إلى جانب الرئيس ماكرون ووزراء الصحة وقادة عالميين لحضور قمة مجموعة السبع لمبادرة "صحة واحدة". وقد ظل هناك موضوع واحد يتردد صداه في القاعة وعلى مدى يومي القمة، وفي حلقة نقاشية تلو الأخرى، وفي الأروقة، وعلى مأدبة العشاء في ليون وخارجها، وهو العلاقة بين التنمية والأمن.

عندما يفكر معظم الناس في الأمن، فإنهم يفكرون في الجيوش وقوى الردع. وهذه أمور مهمة، لكنها لم تعد تمثل الصورة الكاملة. وكما قال ستيفان إكسو-كريشر من مؤسسة حملة واحدة ONE في أوروبا أخيرا: "التنمية والدبلوماسية جزء لا يتجزأ من الأمن البشري على المدى الطويل". وهو محق تماماً فيما ذهب إليه.

إن مفهوم الأمن القومي اليوم يتجاوز الحدود الوطنية، ولا بد أن يرتكز على استقرار البلدان الأكثر ضعفاً واحتياجاً ونموها. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتداخلة في البلدان منخفضة الدخل تؤدي إلى تسريع وتيرة هشاشة الدولة، ودفع الهجرة غير الشرعية، وزيادة احتمالات عدم الاستقرار الإقليمي. وهذه ليست تهديدات مجردة، بل هي الظروف التي يمكن أن تولّد أزمات تتصدر الصفحات الأولى في جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك، وفي اللحظة التي تتصاعد فيها هذه الديناميكيات، تشير التوقعات إلى تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية لتصل إلى مستويات 2020 بحلول 2027 وهي بالفعل في تراجع، وفي المقابل تزيد مخصصات موازنات الدفاع (فقد زاد الإنفاق على المنظومات الدفاعية في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 30% على مدى العقد الماضي)، وفي الوقت نفسه يتراجع الاستثمار في تهيئة الظروف التي تساعد على منع نشوب الصراعات.

إرساء أسس الاستقرار

يتزايد إدراكنا يوماً بعد يوم بأن الإنفاق على التنمية والإنفاق على الأمن ليسا بديلين، بل هما عنصران يكمل أحدهما الآخر. كما تجدر الإشارة إلى أن المؤسسة الدولية للتنمية وهي إحدى مؤسسات مجموعة البنك الدولي تعمل في 78 بلداً من أشد بلدان العالم فقراً. هذه البلدان تغلب عليها سمة المخاطر العالية وضعف القدرة على إدارتها. وبين عامي 2022 و2025، ساعدت المؤسسة نحو 200 مليون شخص في البلدان الهشة على الحصول على خدمات الصحة والتعليم وتحسين سبل كسب العيش، منهم نحو 70 مليون شخص حصلوا على فرص عمل وفرص اقتصادية. لقد كان دافع هؤلاء الأشخاص هو العيش في استقرار من خلال فرص العمل المستقرة والبقاء من أجل البناء والاستثمار في مجتمعاتهم بدلاً من الفرار منها.

وأود في معرض حديثي أن أتوجه لمن هم أقل دراية بآلية عمل المؤسسة، فهي ليست برنامجاً تقليدياً لتقديم المساعدات، بل صندوق يجمع مساهمات الحكومات المانحة، ثم يستفيد من تصنيفه الائتماني الممتاز (AAA) للاقتراض من أسواق رأس المال وتوفير موارد أكبر بكثير مما يمكن للمانحين تحقيقه بمفردهم.

وتُوجَّه هذه الموارد إلى أشد 78 بلداً فقراً في العالم في صورة قروض ومنح طويلة الأجل ومنخفضة التكلفة، ترتبط بتحقيق النتائج وتنفيذ الإصلاحات. وتمول المؤسسة الركائز الأساسية مثل النظم الصحية، والتعليم، والبنية التحتية، والزراعة، وبرامج بناء القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ، وتعمل مباشرة مع الحكومات لبناء المؤسسات والقدرات التي تضمن استدامة التنمية. وتتمتع المؤسسة بوجود فعلي على أرض الواقع في هذه البلدان، مع ما تملكه من خبرة فنية وعلاقات قُطرية لتحويل التمويل إلى نواتج ملموسة.

الوقاية أرخص من تكلفة الأزمة... وبفارق كبير.

يُظهِر تحليل أجرته مؤسسة حملة واحدة ONE أن تكلفة التعامل مع الأزمة قد تكون أعلى بمقدار 103 أضعاف من تكلفة منع وقوعها. وهذا ليس مجرد خطأ في التقريب، بل هو حجة أساسية لتحديد أين يجب أن نستثمر مواردنا. إن المؤسسة تعمل وفق هذا المنطق، حيث تتم مضاعفة كل دولار من مساهمات المانحين حتى 4 مرات بفضل التصنيف الائتماني الممتاز لها (AAA) وقدرتها على الوصول إلى أسواق رأس المال. وفي إطار العملية العشرين لتجديد مواردها، جرى تقديم 93 مليار دولار، بينما ستقدم العملية الحادية والعشرون 99 مليار دولار.

وعلى حد تعبير هيلين أويت دي هاج، مديرة الشؤون المالية الدولية في وزارة المالية الهولندية: "تجمع المؤسسة الدولية للتنمية التمويل وتقوم بجذب مساهمات المانحين ودعمها للاستثمار على نطاق يتجاوز قدرات فرادى البلدان"، لافتة إلى أن "هذا الأسلوب يمثل التعددية وتضافر الجهود والتعاون في أبهى صوره".

الدور البارز للمؤسسة في التصدي لأوضاع الهشاشة والصراع والعنف

وصل النزوح القسري إلى مستويات قياسية على مستوى العالم، حيث نزح أكثر من 117 مليون شخص بسبب الصراعات والاضطهاد حتى 2025. وفي المناطق التي تشهد ضغوط هجرة مرتفعة (مثل منطقة الساحل وأجزاء من شمال إفريقيا والشرق الأوسط)، تدعم المؤسسة تعليم الفتيات وتمكين المرأة وسبل كسب العيش في المناطق الريفية على نحو يراعي التغيرات المناخية.

وحتى في الأماكن التي لا يصل إليها رأس المال الخاص، نظراً لوجود مخاطر عالية للغاية، مع ضعف شديد في البنية التحتية، وهشاشة الحوكمة، تتدخل المؤسسة بحلول إيجابية من خلال نافذة القطاع الخاص لديها وعبر تمويل مشروعات الخدمات الأساسية التي تُنفذ مع الشركاء. ونحن نعلم من خلال التجربة أننا إذا تركنا تلك الأماكن دون استثمار، فإننا لا نحل المشكلة، بل نزيدها سوءاً.

 الأمن الصحي جزء من الأمن العالمي

سأعتبر نفسي مقصراً إن لم أذكر جانباً واحداً من هذه الحجة الأمنية التي اكتسبت زخماً كبيراً، وهي العلاقة بين النظم الصحية والأمن العالمي. ففي مؤتمر قمة مجموعة السبع "صحة واحدة" الذي عُقد في مدينة ليون، كانت الرسالة واضحة، وهي أن أي مخاطر صحية يمكن أن تتحول إلى أزمة أمنية عالمية في لحظة. وعندما تتفشى جائحة في بلد هش وتُترك دون معالجة، يمكن أن تكون العواقب وخيمة على العالم بأسره.

ومنذ 2021، خصصت مجموعة البنك الدولي نحو 4 مليارات دولار لتنفيذ 34 مشروعاً في إطار مبادرة "صحة واحدة" تشمل قطاعات الصحة والزراعة والبيئة. ويُعد برنامج تعزيز الأنظمة الإقليمية لمراقبة الأمراض التابع للمؤسسة مثالاً نموذجياً لهذا النهج الاستباقي. وقد أرسى البرنامج نُظُماً للمراقبة عبر الحدود في 16 بلداً في غرب ووسط إفريقيا، وأسهم في تدريب آلاف العاملين في مجال الصحة وتحديث مئات المختبرات. وعندما تفشَّت جائحة كورونا، أثبتت هذه النُظُم قدرتها على الصمود..

خلاصة القول

لعل أكثر ما أدهشني في محادثاتي وحواراتي مع المانحين والشركاء ليس الحجة المالية فحسب، على الرغم من قوتها، بل الحجة السياسية والمؤسسية. ففي خضم التحالفات المتصدعة والمصالح المتنافسة، تظل المؤسسة إحدى الآليات متعددة الأطراف القليلة التي من خلالها توجد أرضية مشتركة يتوحد حولها 189 بلداً عضواً من المانحين والمقترضين على حد سواء. وهذا الإجماع في حد ذاته يشكل ركيزة يقوم عليها البناء الأمني الرصين.

نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون تمويل التنمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية