د. نوف البلوي
ليس كل اختلاف تنظيمي اختلافًا في المبادئ. وأحيانًا، لا يكون الفارق بين نموذج وآخر في مقدار الإيمان بالاستدامة، بل في مقدار ما يستطيع الاقتصاد احتماله منها.
من هنا، تبدو المقارنة بين أوروبا وكندا أبعد من مجرد مقارنة بين إطارين في التمويل المستدام. فهي، في جوهرها، مقارنة بين سوقين مختلفتين في البنية، وقطاعين مختلفين في درجة النضج، واقتصادين لا يقفان في الموضع نفسه من رحلة التكيف مع التحول الأخضر. ولهذا، فإن ما تقوله القواعد هنا لا يعبّر فقط عن تصور قانوني أو تنظيمي، بل يكشف أيضًا عن حقيقة اقتصادية أعمق: كل سوق تصوغ استدامتها على قدر ما تسمح به بنيتها.
في أوروبا، جاء التنظيم ليعرّف ما الذي يمكن أن يُعترف به بوصفه نشاطًا مستدامًا بيئيًا. وهذا ليس تفصيلًا فنيًا، بل إعلان عن مرحلة متقدمة من النضج السوقي. فعندما تصل السوق إلى درجة من الاتساع والتعقيد تجعلها بحاجة إلى تعريف قانوني منضبط للاستدامة، فذلك يعني أنها تجاوزت مرحلة الحماسة العامة، ودخلت مرحلة الفرز. لم يعد السؤال هناك: هل نريد اقتصادًا أكثر استدامة؟ بل أصبح: ما الذي يستحق، بمعيار قانوني وفني، أن يدخل أصلًا تحت هذا الوصف؟
هذه ليست لغة أسواق لا تزال تختبر الفكرة، بل لغة أسواق بدأت تنظمها. ولذلك بدا النموذج الأوروبي أكثر صرامة، وأكثر ميلًا إلى الانضباط القانوني، وأكثر ارتباطًا بالشفافية والإفصاح وتقليل مساحة الادعاء. فالسوق التي قطعت شوطًا أطول في بناء أدواتها الخضراء، وفي مواءمة جزء معتبر من نشاطها مع متطلبات التحول، تصبح أقدر على أن تطالب بحدود أوضح، ومعايير أدق، وتعريفات أقل تساهلًا.
أما كندا، فتبدو وكأنها تتحرك من موضع مختلف. ليس لأنها أقل وعيًا، ولا لأن طموحها البيئي أدنى بالضرورة، بل لأن سؤالها الاقتصادي مختلف. هي لا تقف أمام اقتصاد يسهل فرز أنشطته بين ما هو أخضر وما هو غير أخضر، بل أمام اقتصاد أكثر التصاقًا بقطاعات الموارد والطاقة والأنشطة الأعلى انبعاثًا. ومن هنا، يصبح التنظيم أقل انشغالًا بتعريف الاستدامة المكتملة، وأكثر انشغالًا بصياغة الانتقال الممكن. هذا الفارق جوهري.
فأوروبا تقدّم معيارًا لما يمكن الاعتراف به بوصفه نشاطًا مستدامًا بيئيًا. أما كندا، فتبدو أقرب إلى محاولة بناء معيار لما يمكن إبقاؤه داخل دائرة التمويل أثناء التحول.وما بين الصيغتين مسافة واسعة في المنطق. الأولى تعبّر عن اقتصاد يقترب من لحظة الفرز الأخضر. والثانية تعبّر عن اقتصاد لا يزال بحاجة إلى أن يجعل انتقاله نفسه قابلًا للتمويل.
لهذا، فإن الحديث عن “الاستثمار الانتقالي” في الحالة الكندية ليس مجرد مرونة تنظيمية، بل انعكاس مباشر لبنية السوق. فحين يكون الاقتصاد أكثر اعتمادًا على قطاعات يصعب إخراجها سريعًا من المشهد، لا يعود ممكنًا بناء التنظيم على فكرة الاستبعاد الحاد.
ما يبرز بدلًا من ذلك هو منطق آخر: كيف يمكن إعادة إدخال هذه القطاعات في السوق بشروط جديدة، وكيف يمكن منحها مسارًا مقبولًا أمام المستثمرين، من دون الادعاء بأنها بلغت الاستدامة الكاملة؟
هنا، لا يعمل التنظيم بوصفه أداة تصنيف فقط، بل بوصفه أداة إدارة اقتصادية. هو لا يوزع الأوصاف البيئية على الأنشطة فحسب، بل يوزع الوقت، ويعيد ترتيب الأولويات، ويمنح بعض القطاعات فرصة للعبور من موقعها القائم إلى موقع أكثر قابلية للقبول. وهذا في حقيقته ليس تنازلًا عن الاستدامة بقدر ما هو اعتراف بأن التحول الاقتصادي لا يحدث بالقفز، بل بالتدرج؛ وأن الأسواق ليست سواء في قدرتها على استقبال الصرامة الخضراء بالدرجة نفسها.
من هذه الزاوية، لا تبدو أوروبا أكثر فضيلة، ولا كندا أقل التزامًا. الأدق أن أوروبا تنظّم سوقًا أقرب إلى الجاهزية الخضراء، بينما تحاول كندا تنظيم اقتصاد لا يزال يحتاج إلى إدارة علاقته بالتحول قبل أن يدّعي اكتماله. وهذا فرق بين مرحلتين، لا بين نيتين.
ولعل هذا هو المعنى الذي يغيب كثيرًا حين يُقرأ هذا النوع من المبادرات قراءة أخلاقية خالصة. فالتنظيم لا يُكتب فقط على أساس ما ينبغي أن يكون، بل أيضًا على أساس ما هو قائم، وما يمكن تحريكه، وما تحتمله السوق من دون أن يفقد توازنه. ولهذا، تكشف القواعد أحيانًا عن درجة نضج الاقتصاد أكثر مما تكشف عن طموح الخطاب.
فالسوق التي نضجت صناعاتها، واتسعت أدواتها، واشتد ضغط الإفصاح فيها، تستطيع أن تجعل من الاستدامة معيارًا قانونيًا للفرز. أما السوق التي لا تزال تخوض تفاوضها الداخلي مع الصناعات الثقيلة والقطاعات كثيفة الانبعاث، فإنها تميل إلى تنظيم الاستدامة من داخل منطق الانتقال، لا من خارجِه.
وهذا ما يجعل الفارق بين النموذجين كاشفًا بحق. إنه لا يقول فقط كيف يفكر كل طرف في المناخ، بل كيف يفكر في اقتصاده نفسه.
أوروبا تسأل: ما الذي يستحق أن يوصف بأنه مستدام؟ وكندا تسأل: ما الذي يمكن إبقاؤه قابلًا للتمويل إلى أن يصبح أكثر اقترابًا من الاستدامة؟ وبين السؤالين يتحدد شكل التنظيم، وحدّة اللغة، واتساع المنطقة الرمادية.
في النهاية، ليس المهم فقط أن نفهم ما تقوله هذه النماذج عن البيئة، بل ما تقوله عن الأسواق التي أنتجتها. فالتنظيم هنا ليس مرآة للسياسة المناخية وحدها، بل مرآة لدرجة الجاهزية الاقتصادية أيضًا.
وربما لهذا السبب، فإن الفارق الحقيقي بين أوروبا وكندا لا يُختصر في تعريفات قانونية متباينة، بقدر ما يُختصر في حقيقة أبسط وأعمق: وهي أن الاقتصاد الأكثر جاهزية يستطيع أن يطالب بمعيار أشد صرامة، أما الاقتصاد الذي لا يزال يرتب طريقه إلى الأخضر، فإنه يبدأ غالبًا بتنظيم الانتقال قبل أن ينظم الوصول.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
