استغرق الأمر عقودا من المفاوضات في إطار قواعد اتفاق الغات/منظمة التجارة العالمية للانتقال من عالم مرتفع الجمارك خلال الحرب العالمية الثانية إلى حقبة جديدة منخفضة الجمارك. وقد أسهمت الركيزتان الأساسيتان لهذه الحقبة، وهما المعاملة بالمثل وعدم التمييز، بدور محوري في خدمة النظام التجاري عبر مساعدة الحكومات على الانتقال من التوازن غير التعاوني إلى التوازن التعاوني.
إذن، ما هي عواقب اندلاع التنافس الجيوسياسي اليوم على النظام التجاري؟ تهدد الحكومات المنشغلة بقوتها النسبية برفع التعريفات الجمركية للإضرار بمنافسيها. وهكذا، فإن الاتفاق القديم لم يعد يعكس الواقع الجديد، وبات من الضروري إيجاد حالة جديدة من التوازن التعاوني. والسؤال هنا هو كيف للحكومات تحقيق ذلك؟
ثمة مساران ممكنان. الأول هو ما يُطلق عليه "الحرب والتسوية"، حيث تسمح البلدان بانهيار الاتفاق القديم، ما يُشعل حربا تجارية تفضي إلى رفع التعريفات الجمركية، ثم تتفاوض الحكومات في نهاية المطاف للوصول إلى اتفاق جديد من خلال تبادل التخفيضات الجمركية التقليدية. وهذا المسار مُكلف اقتصاديا، ويستلزم على الأرجح مفاوضات مطولة، ولكنه يتناسب مع الإطار الحالي للقواعد التجارية متعددة الأطراف.
أما المسار الثاني، فهو أكثر كفاءة، ولكنه يتطلب فكرا مؤسسيا مبتكرا، حيث تتفاوض البلدان على إجراء تعديلات فورية، متجنبة بذلك الاضطرابات الاقتصادية. غير أن هذا التصحيح يتطلب استكشاف مختلف النتائج الممكنة عبر حد الكفاءة (انظر الإطار). وللحفاظ على زخم التعاون، يتعين على البلد الأقل تضررا من الصدمة الجيوسياسية الحد من مستوى رفاهيته مقارنة بالوضع الراهن. وهذا ليس تبادلا للمنفعة ولا مجديا لكلا الطرفين بالمعنى التقليدي، ولا يتناسب مع مبدأ المعاملة بالمثل الذي يُشكِّل الركيزة الأساسية لمنظمة التجارة العالمية.
وتتعمق هذه الإشكالية في السياق متعدد الأطراف. فإلى جانب مبدأ المعاملة بالمثل، قد يعوق مبدأ عدم التمييز عملية التصحيح، إذ يشترط أن تُعمّم أي منفعة تجارية مُقدّمة لبلد عضو على جميع الأعضاء. أما حين يحتاج خصمان إلى تبادل المنافع الاقتصادية فيما بينهما، فيعني ذلك استبعادا وعواقب وخيمة للبلدان الأخرى.
ويجسد اتفاق المرحلة الأولى لعام 2020 بين الولايات المتحدة والصين هذه الإشكالية. فقد تضمن الاتفاق، الذي استهدف تخفيف حدة التوترات التجارية، التزامات صينية بشراء كميات محددة من السلع الأمريكية. وقد توقع البحث الذي أجراه البنك الدولي آنذاك أن الاتفاق كان أكثر نفعا للبلدين من مواصلة التصعيد، غير أنه كان ليضر بالبلدان المصدرة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وغيرهما نتيجة تحويل مسار الواردات الصينية من تلك المناطق إلى الولايات المتحدة. ويكشف إبرام الاتفاق خارج إطار قواعد التجارة متعددة الأطراف عن إشكالية أعمق؛ فالنظام الحالي لا يمكنه استيعاب التعديلات التي تقتضيها المنافسة الجيوسياسية.
إعفاء جيوسياسي
إذا أُريد للنظام التجاري متعدد الأطراف الحفاظ على أهميته، فلا بد له أن يفسح المجال للتعديلات الجيوسياسية مع توفير الحماية للبلدان الأخرى. وتقترح دراستنا البحثية الإعفاء من المبدأين الأساسيين، وهما المعاملة بالمثل وعدم التمييز، لمراعاة الاعتبارات الجيوسياسية عبر السماح للمنافسين الإستراتيجيين بإجراء تعديلات جمركية تمييزية وفق شروط صارمة.
وقد سبق منح إعفاءات مماثلة. فالنظام التجاري يتضمن بالفعل بعض أشكال التمييز، كالسماح للبلدان الأعضاء بإبرام اتفاقات تجارية تفضيلية، مثل اتفاقات مناطق التجارة الحرة. وتدعم هذه الاتفاقات هدف تحرير التجارة ما دامت تستوفي شرطين صارمين: أن تشمل "جميع أشكال التجارة تقريبا" بين البلدان الأعضاء، وألا تفرض حواجز على البلدان غير الأعضاء. أما الإعفاء الجيوسياسي، فيخدم غرضا آخر، وهو استيعاب المنافسة بين الخصوم الإستراتيجيين مع الحد قدر الإمكان من الأضرار التي قد تلحق بالنظام متعدد الأطراف الأوسع نطاقا.
وقد يقتضي هذا الإعفاء ألا تؤدي أي تعديلات تمييزية بين البلدان المتنافسة إلى تغيير الأسعار العالمية بين هذه البلدان وغيرها للحد من تحول مسار التجارة. وقد يكون تطبيق هذه القاعدة معقدا من الناحية الفنية، لكن البديل أكثر سوءا: فالتعديلات التي تفرضها الاعتبارات الجيوسياسية إما أن تحدث خارج الإطار متعدد الأطراف، ما يقوض قواعد التجارة الحالية ويفرض تكاليف على البلدان المحايدة، أو لا تحدث على الإطلاق، فيبقى العالم أسير صراعات تجارية مدمرة.
الحفاظ على التعاون
نرى أن عودة الجيوسياسة لا تلغي الدواعي الاقتصادية للتعاون. فحتى البلدان المتنافسة استراتيجيا يمكنها الاستفادة من الاتفاقات التفاوضية. ولا ينتقص ذلك من أهمية المنطق الأساسي الذي دعم الانفتاح التجاري لعقود. ولكن ثمة حاجة إلى آليات جديدة لتمكين المنافسين الجيوسياسيين من تكييف علاقاتهم التجارية مع الواقع الجديد دون الانخراط في حروب تجارية مدمرة أو فرض تكاليف باهظة على بلدان أخرى دون داع.
وقد تكيف النظام التجاري في السابق حينما تغيرت الظروف، فأضاف اتفاقات جديدة مع تطور الاقتصاد العالمي عبر عدة جولات من المفاوضات. ويكمن التحدي اليوم في التكيف مجددا استجابة للمعطيات الجيوسياسية الراهنة، لضمان الحفاظ على الوظائف الأساسية للنظام وتحديث قواعده في الوقت ذاته لتتلاءم مع عالم متغير. ويوفر الإعفاء الجيوسياسي الذي نقترحه هذه الآلية، حيث يرسي الضمانات الوقائية اللازمة للحفاظ على سلامة النظام التجاري متعدد الأطراف مع الإقرار بواقع المنافسة الإستراتيجية.
خبراء اقتصاديون في صندوق النقد الدولي
