شهد تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية نموًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مدعومًا بتوسع المؤسسات المالية وبرامج الضمان والتمويل. لكن ارتفاع تكلفة الاقتراض يضع بعض المنشآت أمام تحديات تتعلق بقدرتها على تمويل أعمالها والتوسع في أنشطتها، خصوصًا أن الحصول على التمويل لا يمثل هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية تتعلق بنمو الأعمال وتحسين كفاءتها.
وبالنظر إلى حجم التسهيلات الائتمانية المقدمة للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في السعودية، فقد بلغت نحو 467 مليار ريال بنهاية 2025، بزيادة 33% مقارنة بالعام السابق. ويعكس هذا النمو تطور منظومة التمويل واتساع دور المصارف وشركات التمويل والبرامج الحكومية في توفير الخيارات التي تحتاج إليها المنشآت خلال مراحل نموها المختلفة.
وفي الأسواق العالمية، تظهر اختلافات في الطلب على التمويل بحسب حجم الشركات وظروفها المالية. فقد أظهر مسح الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في يوليو 2026 تحسن الطلب على القروض التجارية لدى الشركات الكبيرة والمتوسطة، مقابل استقراره لدى الشركات الصغيرة. ويعكس هذا التفاوت اختلاف احتياجات الشركات وقراراتها التمويلية، خصوصًا مع تأثير تكلفة الاقتراض في جدوى الاستثمارات الجديدة.
ومن الجوانب التي تستحق النظر أن تحديات التمويل لا ترتبط بأسعار الفائدة وحدها، وإنما تشمل متطلبات الضمانات والتدفقات النقدية وآجال السداد. فقد تحصل منشأة على عقد جديد، لكنها تحتاج إلى سيولة لشراء المواد ودفع الرواتب قبل تحصيل مستحقاتها. وإذا لم يتوافر التمويل في الوقت المناسب، فقد تتأخر في تنفيذ العقد أو تتراجع عن فرص أخرى للتوسع، رغم وجود طلب فعلي على خدماتها.
كما أن ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يقلص العوائد المتوقعة من الاستثمارات، خصوصًا لدى المنشآت التي تعمل بهوامش ربح محدودة. ولذلك فإن تحديد الهدف من التمويل يمثل جزءًا مهمًا من القرار الاستثماري، سواء كان لافتتاح فرع جديد أو زيادة الطاقة الإنتاجية أو تحسين العمليات التشغيلية.
فقد تتمكن المنشأة من الحصول على تمويل، لكن نجاح القرار يرتبط بقدرتها على تحقيق عوائد تبرر تكلفته، ومدى توافق الالتزامات المالية مع تدفقاتها النقدية.
وأمام هذه الظروف، تبرز أهمية تنوع الأدوات التمويلية، مثل التمويل الجماعي بالدين وتمويل الفواتير والذمم المدينة، إلى جانب التمويل المصرفي التقليدي. فقد تحتاج بعض المنشآت إلى تمويل قصير الأجل لرأس المال العامل، بينما تحتاج أخرى إلى تمويل طويل الأجل للتوسع، وهو ما يجعل اختيار الأداة المناسبة من حيث التكلفة والمدة عاملًا مؤثرًا في نجاح الاستثمار.
وفي السعودية، يمثل برنامج ضمان التمويل كفالة أحد الحلول التي تساعد المنشآت على تجاوز تحديات الضمانات الائتمانية. فقد تجاوزت الضمانات المقدمة عبر البرنامج 100 مليار ريال حتى أغسطس 2026، استفادت منها أكثر من 28 ألف منشأة، بإجمالي تمويل تجاوز 140 مليار ريال. وتعكس هذه النتائج أهمية مشاركة المخاطر مع الجهات الممولة في تعزيز الوصول إلى التمويل. كما يسهم بنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، من خلال برامج الإقراض غير المباشر، في تنويع الخيارات المتاحة للمنشآت.
ومع هذا التطور في أدوات التمويل وتوسع برامج الضمان في السعودية، تتزايد الفرص أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة للحصول على التمويل المناسب ودعم نمو أعمالها. وتبقى الاستفادة من هذه الفرص مرتبطة بقدرة المنشآت على تحديد احتياجاتها واتخاذ قرارات تمويلية تتناسب مع إمكاناتها وأهدافها الاستثمارية. فنجاح التمويل لا يقاس بحجم المبالغ التي تحصل عليها المنشأة، وإنما بقدرتها على توظيفها وتحقيق الأهداف التي حصلت على التمويل من أجلها.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
