يدفع بعض مصدري الكاكاو في نيجيريا اليوم ما بين 30 و80 دولاراً عن كل طن لرسم خرائط المزارع وتتبع المحصول، استعداداً لقواعد الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات. واللافت أن هذه التكلفة لا تضيف شيئاً إلى جودة الكاكاو، ولا تخفض تكلفة إنتاجه أو نقله، وإنما تُدفع لغرض مختلف: القدرة على إثبات قصة المنتج، من أين جاء وكيف تحرك قبل وصوله إلى السوق.
ليست المستندات أمراً جديداً على التجارة الدولية. شهادات المنشأ والبيانات الجمركية والفحوص الفنية رافقت حركة السلع عبر الحدود لعقود. إلا أن بعض القواعد الحديثة تطلب مستوى مختلفاً من المعلومات؛ فلا يكفي أحياناً أن نعرف ماهية السلعة وبلد منشئها، بل يصبح مطلوباً معرفة موقع إنتاجها ومسارها عبر سلسلة التوريد.
توضح اللائحة الأوروبية لمكافحة إزالة الغابات هذا التحول. فالسلع المشمولة، ومنها الكاكاو والقهوة والمطاط وزيت النخيل والصويا، تخضع لمتطلبات عناية واجبة تستلزم توافر معلومات تمكّن المشغل من التحقق من عدم ارتباطها بإزالة الغابات، بما في ذلك بيانات جغرافية عن مواقع الإنتاج.
وهنا يظهر فرق مهم بين أن تكون السلعة مطابقة للمتطلبات وأن يكون بالإمكان إثبات هذه المطابقة. قد يأتي محصولان من مزارع لم تتعرض لإزالة الغابات، وتكون جودتهما متقاربة، لكن أحدهما مدعوم ببيانات يمكن التحقق منها والآخر لا يملك السجل نفسه. بالنسبة إلى مشترٍ يتحمل مسؤولية قانونية عن التحقق، يصبح هذا الفرق جزءاً من قرار التعامل نفسه.
بهذا تكتسب المعلومة قيمة اقتصادية لم تكن ظاهرة بالقدر نفسه من قبل. فهي لا تغير خصائص السلعة، لكنها قد تؤثر في إمكان دخولها إلى سوق معينة وفي تكلفة التعامل معها.
الأمر أكثر تعقيداً لأن من يحتاج إلى المعلومة ليس بالضرورة من يملكها. فالمستورد الأوروبي قد يحتاج إلى بيانات مصدرها مزرعة في نيجيريا أو ساحل العاج، وبينهما مجمعون للمحاصيل وتجار ومصدرون. تتحرك السلعة في اتجاه السوق، فيما تعود متطلبات المعلومات في الاتجاه الآخر حتى تصل إلى المنتج الأول.
وتؤدي العقود التجارية دوراً أساسياً في هذه العملية. فالمشتري يطلب من المورد بيانات وضمانات إضافية، وقد يحتفظ بحق التدقيق أو ينظم المسؤولية عن المعلومات غير الدقيقة. وهكذا ينتقل أثر التنظيم عبر العلاقة التجارية إلى أطراف قد تكون بعيدة جغرافياً عن السوق التي أصدرت القاعدة.
لكن من يتحمل تكلفة إنتاج هذه المعلومات؟
ليس بالضرورة الطرف الذي يطلبها. فقد يستطيع المصدر إدخال تكلفة التتبع ضمن السعر، وقد يرفض المشتري تحملها، أو يتقاسم الطرفان جزءاً منها. وفي سلاسل التوريد التي تضم آلاف المنتجين، يصبح توزيع هذه التكلفة مسألة تجارية وتفاوضية بحد ذاتها.
ولا تنتهي التكلفة عند جمع البيانات للمرة الأولى. فإذا أنفق المصدر على تحديد مواقع آلاف المزارع وربط المحصول بها، فهل يستطيع استخدام البيانات نفسها عند التعامل مع مشترٍ آخر؟ أم أن اختلاف منصات التتبع وصيغ البيانات ومتطلبات العملاء سيضطره إلى إعادة جزء من عملية الإثبات؟
هذه النقطة ربما تكون أهم من تكلفة جمع المعلومة ذاتها. فكلما كانت البيانات قابلة لإعادة الاستخدام والنقل بين الأنظمة، انخفضت تكلفة الامتثال. أما إذا كانت كل علاقة تجارية تتطلب بناء سجل جديد أو إعادة التحقق من معلومات سبق التحقق منها، فإن جزءاً من تكلفة التجارة سينشأ من طريقة إدارة البيانات لا من السلعة نفسها.
ولذلك كان من اللافت أن تتجه التعديلات الأوروبية إلى تقليل تكرار بعض متطلبات تقديم معلومات العناية الواجبة في الحلقات اللاحقة من سلسلة التوريد. فحين تصبح أحجام البيانات كبيرة، لا يعود السؤال مقتصراً على نوع المعلومات التي يحتاجها المنظم، وإنما يشمل أيضاً عدد مرات طلبها والطرف الذي ينبغي أن يقدمها.
ولا تقف المسألة عند إزالة الغابات. فالمعلومات المتعلقة بالانبعاثات ومصدر المواد الخام ومكونات المنتجات وطريقة الإنتاج أصبحت أكثر حضوراً في قواعد عدد من الأسواق. ومع اتساع هذه المتطلبات، قد تدخل قدرة المورد على إدارة معلوماته ضمن حسابات التنافسية، إلى جانب السعر والجودة وموعد التسليم.
وقد يكون المورد الأقل سعراً أكثر تكلفة للمشتري إذا كان التحقق من سلسلة توريده معقداً، في حين يستفيد مورد آخر من انتظام سجلاته وسهولة الوصول إلى البيانات المطلوبة.
القضية، إذن، ليست في الاعتراض على التتبع أو على الأهداف البيئية التي تقف خلفه. المسألة في تكلفة المعلومة نفسها وكيفية توزيعها وإعادة استخدامها. فكما أمضت التجارة الدولية عقوداً في خفض تكلفة نقل السلع عبر الحدود، ستحتاج إلى التفكير بالجدية نفسها في تكلفة نقل الأدلة التي ترافقها.
فإذا دُفع ثمن إثبات قصة السلعة مرة، فلا ينبغي أن تصبح إعادة إثبات القصة نفسها تكلفة جديدة مع كل صفقة.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
