الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

التقنية المالية وفجوة التمويل

محمد الماضي
الجمعة 5 ديسمبر 2025 14:39 |3 دقائق قراءة

تقدر الفجوة التمويلية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية بنحو 300 مليار ريال، رغم النمو القوي في التسهيلات الائتمانية خلال العامين الأخيرين. فقد ارتفع إجمالي التمويل المقدم لهذه الشريحة إلى نحو 420.7 مليار ريال بنهاية الربع الثاني 2025، بنمو 37 % على أساس سنوي، ووصل في نهاية 2024 إلى 351.7 مليار ريال بزيادة 28 % مقارنة بالعام السابق.

ورغم هذا التوسع، تبقى الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر تواجه صعوبات واضحة في الوصول إلى التمويل مقارنة بحجم الطلب الحقيقي في السوق. ولا تزال مساهمة قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي عند نحو 20%، في حين تستهدف السعودية رفعها إلى 35% بحلول 2030.

المشهد التمويلي لا يزال إلى حد كبير تحت هيمنة المصارف، إذ تستحوذ البنوك على نحو 96% من إجمالي التسهيلات، مقابل نحو 4% فقط لشركات التمويل. هذا التركيز يجعل القالب الائتماني التقليدي هو المحدد لمن يحصل على التمويل وبأي كلفة، في حين أن هذه المعايير لا تنسجم مع واقع شريحة واسعة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على دورات نقدية أقصر وقاعدة أضعف من الضمانات والأصول القابلة للرهن.

في المقابل، رفعت المؤسسات المالية اعتمادها على أسواق الدين، حيث بلغت إصدارات أدوات الدين نحو 9.4 مليار دولار حتى أغسطس 2025، بزيادة تقارب 77% عن الفترة نفسها من العام الماضي. إلا أن هذا التعزيز للسيولة لا يترجم بالضرورة إلى توسع فعلي في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة ما دام الإقراض يخضع للقواعد والمعايير التقليدية ذاتها.

في هذا السياق، تبرز شركات التقنية المالية باعتبارها لاعبا يسعى إلى إعادة تشكيل مسار التمويل عبر نماذج أكثر مرونة وأقرب إلى الواقع التشغيلي للمنشآت. فقد بلغ حجم التمويل عبر منصات التمويل الجماعي وتمويل الدين نحو 3.42 مليارات ريال بنهاية 2024، بنمو 124 % مقارنة بعام 2023. ورغم تواضع هذا الرقم أمام فجوة تمويلية تقدر بنحو 300 مليار ريال، فإن أهميته تكمن في نوعية الشركات المستفيدة، إذ يوجه التمويل إلى منشآت لم تكن ضمن أولويات الإقراض لدى المصارف وشركات التمويل التقليدية، معتمدا على قراءة البيانات التشغيلية والتدفقات النقدية وقياس قدرة النشاط على توليد الإيراد بدلا من الاشتراط التقليدي على توفر الضمانات.

 وبعد حضور محدود في بداياتها، أصبحت قنوات التمويل الجماعي وتمويل الدين عبر منصات التقنية المالية جزءا من منظومة التمويل، تسهم في تضييق الفجوة التمويلية عبر ربط المستثمرين مباشرة بالمشروعات وتمكين منشآت صغيرة ومتوسطة من الحصول على تمويل كان الوصول إليه أكثر صعوبة في السابق.

ومع ذلك، تقف شركات التقنية المالية اليوم على أرضية أقوى مما كانت عليه قبل سنوات قليلة، وتملك مقومات تؤهلها لتوسيع دورها في منظومة التمويل رغم التحديات المرتبطة بحجم رؤوس الأموال المتاحة وطبيعة المخاطر وبناء الثقة مع السوق. ومع التحول المتسارع نحو الحلول الرقمية وتزايد الاعتماد على البيانات التشغيلية في تقييم الجدارة الائتمانية، تبدو هذه التحديات أقرب إلى مسار تطور طبيعي للقطاع منها إلى مشكلة مزمنة.

ومع تعميق دور صناديق الدين المتخصصة، وتوسيع الشراكات بين المؤسسات التمويلية ومنصات التقنية المالية، ودعم نماذج تمويل قائمة على البيانات والتدفقات النقدية، يمكن لهذا القطاع أن ينتقل من دور مكمل إلى أحد الأعمدة المساندة في تضييق الفجوة التمويلية وتعزيز قدرة الاقتصاد السعودي على توسيع قاعدة منشآته المنتجة.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية