الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

التقنيات العميقة .. من الاستثمار إلى السيادة

أ.د. محمد بن عبدالله العضاضي
الثلاثاء 5 مايو 2026 14:40 |3 دقائق قراءة


أ.د. محمد بن عبدالله العضاضي

لم تعد القوة الاقتصادية للدول تُقاس بحجم مواردها الطبيعية فقط، بل بقدرتها على تطوير وتوظيف التقنيات المتقدمة. وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 70% من النمو الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة سيكون مدفوعًا بالابتكار والتقنية. وفي هذا السياق، تبرز التقنيات العميقة كأحد أهم محركات النمو الاقتصادي المستدام، لما تحمله من إمكانات قادرة على إحداث تحولات جذرية في مختلف القطاعات، بما يتسق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 لبناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة.

تشير التقنيات العميقة إلى الابتكارات المبنية على أسس علمية وهندسية متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتقنيات الكمية، وإنترنت الأشياء. ووفقًا لتقارير استثمارية حديثة، تجاوز حجم الاستثمار العالمي في هذا المجال وفي الشركات ذات التقنيات العميقة أكثر من 60 مليار دولار سنويًا، مع توقعات بنمو سنوي مركب يتجاوز 15% خلال السنوات المقبلة. وعلى عكس التطبيقات الرقمية التقليدية، تتطلب هذه التقنيات استثمارات طويلة الأجل وبنية بحثية متقدمة، لكنها في المقابل تسهم في إنشاء صناعات جديدة وتعزز التنافسية الاقتصادية.

اقتصاديًا، يمثل الاستثمار في التقنيات العميقة فرصة نوعية لتوليد وظائف عالية المهارة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن كل وظيفة في قطاع التقنيات المتقدمة تخلق من 3 إلى 5 وظائف غير مباشرة في الاقتصاد. كما يسهم هذا القطاع في تقليل الاعتماد على الاستيراد، حيث يمكن أن تخفض الحلول التقنية المحلية تكاليف التشغيل في بعض القطاعات الحيوية بنسبة تصل إلى 20–30%.

وفي قطاع المياه على سبيل المثال، يمكن لتقنيات الاستشعار الذكية أن تقلل الفاقد بنسبة ملحوظة، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة الإنفاق والاستدامة، ويمكننا القياس على ذلك في كثير من المجالات.

ورغم هذه الفرص الواعدة، لا تزال هناك تحديات تعيق تسارع الاستثمار في هذا المجال. من أبرزها الفجوة بين مخرجات البحث العلمي واحتياجات السوق، حيث تشير التقديرات إلى أن أقل من 10% من الأبحاث المتقدمة تتحول إلى منتجات تجارية. كما أن التمويل الجريء الموجه للتقنيات العميقة لا يزال محدودًا مقارنة بالقطاعات الرقمية السريعة، إذ يستحوذ هذا المجال على نسبة أقل من 20% من إجمالي الاستثمارات الجريئة في كثير من الأسواق الناشئة.

وفي عالم يتسارع فيه التنافس على امتلاك التقنيات بكل اشكالها المتقدمة، لم يعد التأخر خياراً محايداً، بل تكلفة إستراتيجية قد تُفقد الدول قدرتها على المنافسة. فالدول التي تكتفي باستهلاك التقنية ستظل رهينة لسلاسل الإمداد العالمية، بينما الدول التي تستثمر في تطويرها محلياً تملك القدرة على توجيه اقتصادها وحماية مصالحها. ومن هنا، فإن الاستثمار في التقنيات العميقة لم يعد مجرد خيار تنموي، بل ضرورة سيادية تمليها تحولات الاقتصاد العالمي.

ولتحويل هذا التوجه إلى واقع، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات داعمة تعزز منظومة الابتكار الوطني، تشمل إنشاء صناديق استثمار متخصصة، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والمراكز البحثية والصناعة، وتطوير بيئات اختبار لتسريع تحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية. كما تشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي تستثمر أكثر من 2.5% من ناتجها المحلي في البحث والتطوير، تحقق قفزات نوعية في الابتكار والتنافسية العالمية.

إن الانتقال من الاستثمار في التقنيات العميقة إلى تحقيق السيادة التقنية، أصبح ضرورة إستراتيجية. فالدول التي تمتلك تقنياتها، تمتلك قرارها الاقتصادي. وفي السعودية، بما تمتلكه من رؤية طموحة وإمكانات كبيرة، تبرز لها فرصة تاريخية للريادة العالمية في هذا المجال، عبر توجيه الاستثمارات بذكاء، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية