الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

لعقود، ارتكز الاقتصاد العالمي على فرضية نفعية التجارة الدولية رغم الفروق الجيوسياسية. فقد صُممت قواعد النظام التجاري متعدد الأطراف، التي أرساها الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة 1947، وتضمنها إطار منظمة التجارة العالمية 1995، من أجل عالم نادرا ما استخدمت حكوماته التجارة في تحقيق أهداف جيوسياسية. غير أن هذا العالم بات مُهددا في الوقت الحالي.  

فاليوم، عادة ما تصف الولايات المتحدة الأمريكية والصين، اللتان شكّل تكاملهما التجاري المتنامي ملامح العولمة خلال العقود الثلاثة الماضية، كل منهما الأخرى بالخصم الجيوسياسي، وتستخدمان السياسة التجارية مرارا في تحقيق أهداف إستراتيجية، مثل الحد من نقل التكنولوجيا، وتقييد صادرات المنتجات الحيوية، وتعزيز أهداف الأمن القومي. ويخشى عديد من المراقبين من أن عودة الجيوسياسة قد تفضي إلى تشتت الاقتصاد العالمي، وتقويض عقود من التكامل.

ومع ذلك، فإن هذه النتيجة المتشائمة ليست حتمية. فيشير بحثنا إلى أنه حتى الخصوم الإستراتيجيون يمكنهم الاستفادة من التعاون التجاري. غير أن المشكلة تكمن في أن عودة الجيوسياسة تتعارض مع الإطار المؤسسي القائم الذي صُمم لعصر مختلف. وإذا أُريد للنظام التجاري أن يصمد، فلابد له أن يتكيف مع عالم تستخدم فيه البلدان السياسة التجارية في تحقيق أهداف جيوسياسية.

إشكالية القوة

تفترض النماذج الاقتصادية التقليدية أن الحكومات تسعى جاهدة إلى تحسين رفاهية مواطنيها. وفي هذا السياق، يرفع البلد تعريفاته الجمركية لزيادة دخله الحقيقي على حساب شركائه التجاريين من خلال تحسين معدلات التبادل التجاري - أي سعر صادراته مقارنة بوارداته. ونظرا لأن جميع البلدان تواجه الحوافز ذاتها، فإن عدم تنسيق سياسات التعريفات الجمركية يوقعها في فخ الحماية المفرطة منعدمة الكفاءة وتدني مستويات الرفاهية. وتوجد الاتفاقات التجارية  للهروب من هذا الفخ من خلال التخفيضات المنسقة للتعريفات الجمركية.  

غير أن المنافسة الجيوسياسية تؤدي إلى تغيير هذه المعادلة، وتشكك في استدامة التعاون التجاري. واستنادا إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، نفترض أن الحكومات المتنافسة لا تكترث برفاهيتها المطلقة فحسب، بل بقوتها النسبية أيضا -مقارنة بخصومها. وبالتالي، فإن قرارات السياسات تتشكل في ضوء مزيج من المكاسب الاقتصادية والمزايا الإستراتيجية.

لنفترض أن حكومة ما تسعى إلى بسط هيمنتها على صناعة أشباه الموصلات. عندئذ، لن تصمم الحكومة سياساتها التجارية بهدف توسيع نطاق قطاع الرقائق الإلكترونية المحلي فحسب، بل ستسعى أيضا إلى تقليص حجم القطاع المناظر في البلد المنافس. وهكذا تصبح التعريفة الجمركية خيارا جذابا لدورها في تقويض المنافسين الأجانب، فتتحول السياسة التجارية من أداة لإدارة الاقتصاد إلى وسيلة للمنافسة الإستراتيجية. ففي عالم تسعى فيه البلدان إلى تحقيق أهداف جيوسياسية، لم يعد التلاعب بمعدلات التبادل التجاري الدافع الوحيد وراء استخدام السياسة التجارية.

وقد تناول جون ميرشايمر، الباحث في العلاقات الدولية، هذا المنطق في كتابه الشهير بعنوان "Tragedy of Great Power Politics". فكتب يقول إن الدول التي تحركها اعتبارات القوة النسبية كثيرا ما تتخلي عن عديد من المكاسب التي تصب في مصلحة قوتها الذاتية إذا كانت هذه المكاسب ستسهم في الوقت نفسه في تعزيز قوة الدول المنافسة. ولهذا المنطق انعكاسات كبيرة على السياسة التجارية: فقد يرفض بلد ما صفقة تجارية مربحة للغاية إذا كانت ستمنح خصمه مزيدا من القوة، أو قد يلجأ إلى إجراء تجاري ضار إذا كان من شأنه إلحاق ضرر أكبر بخصمه.

التعاون في ظل المنافسة

هل يعني ذلك أن التعاون التجاري بات محكوما عليه بالإخفاق؟  ليس بالضرورة. فحتى في إطار نموذج تنشغل فيه الحكومات بقوتها الجيوسياسية النسبية، تبدو نتائج التعاون التجاري أكثر تفاؤلا مما يتوقعه كثير من أنصار "المدرسة الواقعية".

 وصحيح أن اندلاع التنافس الجيوسياسي يؤدي إلى زيادة التعريفات الجمركية في بيئة تفتقر إلى التعاون. فعندما يصبح الإضرار بالخصم جزءا من الهدف، تزداد جاذبية التدابير الحمائية وإن جاءت على حساب انخفاض الدخل. ويسفر ذلك عن توازن غير تعاوني (أو توازن ناش، في نظرية الألعاب) يتسم بارتفاع التعريفات الجمركية وتراجع التجارة مقارنة بعالم خالٍ من المنافسة، وذلك لأن كلتا الحكومتين تستخدمان السياسة التجارية للإضرار بالبلد الآخر.

ومع ذلك، فإن المنافسة الجيوسياسية لا تغير من حقيقة أهمية الكفاءة الاقتصادية. فحتى الحكومات التي تنتهج موقفا غير تعاوني في البداية يمكنها تبني سياسات تحقق مكاسب للبلدين ما دامت تُعير ولو قدرا من الاهتمام لرفاهية مواطنيها. وما لم تبلغ المنافسة حدا تصبح معه الهيمنة على الخصوم هي الهدف الوحيد للحكومات، سيظل التفاوض خيارا ممكنا لرفع  الكفاءة الاقتصادية، وبالتالي تعزيز رفاهية المواطنين. فالمصلحة الذاتية المستنيرة - وهي القوة ذاتها التي قادت مسيرة تحرير التجارة في أعقاب الحرب - تظل أساسا يمكن البناء عليه لتعزيز التعاون، حتى بين الخصوم الإستراتيجيين.

خبراء اقتصاديون في صندوق النقد الدولي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية