تشهد السعودية تحولاً اقتصادياً وتنموياً غير مسبوق في ظل رؤية 2030، مع إطلاق مشاريع عملاقة في قطاعات العقارات والطاقة والصناعة والسياحة والبنية التحتية. ومع ضخامة الاستثمارات المطلوبة لتنفيذ هذه المشاريع، تبرز الحاجة إلى أدوات تمويل مبتكرة تستقطب رؤوس الأموال المحلية والعالمية، وتخفف الاعتماد على التمويل التقليدي والإنفاق الحكومي. ومن أبرز هذه الأدوات الترميز الرقمي للأصول (Tokenization)، الذي قد يحدث تحولاً جذرياً في أساليب تمويل المشاريع والاستثمار فيها.
يقوم الترميز على تحويل ملكية الأصول أو الحقوق المالية المرتبطة بها إلى وحدات رقمية باستخدام تقنية البلوك تشين، ما يسمح بتقسيم المشاريع الكبيرة إلى حصص استثمارية صغيرة يمكن أن يمتلكها آلاف المستثمرين. فعلى سبيل المثال، يمكن تقسيم مشروع عقاري أو محطة طاقة بقيمة مليار ريال إلى عشرة ملايين وحدة رقمية بقيمة 100 ريال للوحدة، وإتاحة الاستثمار فيها وفق الأطر النظامية، مع توزيع العوائد بحسب الحقوق التي تمثلها تلك الوحدات.
وتكمن أهمية هذه التقنية في قدرتها على توسيع قاعدة المستثمرين، وتحسين كفاءة التمويل، وتسهيل إدارة الملكيات وتوزيع العوائد، وإتاحة فرص استثمارية كانت مقتصرة على كبار المستثمرين. ويمكن تطبيقها في المملكة على المشاريع العقارية والفندقية والصناعية ومحطات الطاقة الشمسية والهيدروجين ومرافق تخزين النفط والغاز والمشاريع اللوجستية والتعدينية.
ولم يعد الترميز مجرد فكرة مستقبلية، فقد بدأت مراكز مالية عالمية تطبيقه. ففي سنغافورة، أطلقت سلطة النقد مشروع Project Guardian لتطوير ترميز الأصول المالية، بينما شهدت الإمارات مبادرات لترميز العقارات وتطوير الأصول الرقمية، وفي سويسرا تأسست بورصة رقمية منظمة لتداول الأوراق المالية القائمة على تقنيات السجلات الموزعة. وتؤكد هذه التجارب أن الترميز أصبح اتجاها مهماً في تطوير الأسواق المالية، وإن كان لا يزال في مراحل متفاوتة من النضج.
ولا يعني الترميز الاستغناء عن الأدوات الاستثمارية القائمة، مثل صناديق الاستثمار العقارية المتداولة «ريت» أو منصات التمويل الجماعي بالملكية والدين، بل يمكن أن يكون وسيلة لتطويرها رقمياً، وتسهيل إصدار وحداتها وإدارة ملكياتها وتداولها، دون تجاوز المتطلبات التنظيمية التي تحكم هذه الأدوات.
ورغم هذه الفرص، فإن نجاح الترميز يواجه تحديات مهمة، أبرزها توفير السيولة الحقيقية في الأسواق الثانوية، وحماية المستثمرين وبياناتهم، ومواجهة المخاطر التقنية والاختراقات الإلكترونية، وضمان وجود ارتباط قانوني واضح بين الوحدات الرقمية والأصول التي تمثلها. فالقدرة على إصدار ملايين الوحدات الرقمية لا تعني بالضرورة وجود سوق نشطة لتداولها.
وتمتلك السعودية قاعدة تنظيمية متقدمة من خلال هيئة السوق المالية والبنك المركزي السعودي والأنظمة المنظمة للاستثمار والتمويل وحماية البيانات. غير أن بناء سوق متكاملة لترميز الأصول يتطلب مزيداً من الوضوح التنظيمي بشأن حقوق الملكية الرقمية، وحفظ الأصول، والتداول الثانوي، والتسوية، وحماية المستثمرين، والتكامل مع السجلات الرسمية، خصوصاً في القطاع العقاري.
ولم تكن السعودية بعيدة عن هذا التحول، فقد بدأت بالفعل مبادرات في الترميز العقاري، إلى جانب جهود هيئة السوق المالية في تطوير البيئة التنظيمية للتقنية المالية، وتجارب البنك المركزي السعودي في التسويات الرقمية. غير أن الفرصة الإستراتيجية الكبرى تتمثل في الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة لترميز الأصول الحقيقية، تشمل العقارات والطاقة والصناعة والتعدين والبنية التحتية، وتتيح استقطاب رؤوس الأموال المحلية والعالمية لتمويل مشاريع رؤية 2030.
ومن هنا، أقترح إطلاق مبادرة وطنية لترميز الأصول والمشاريع الاستثمارية، بالتعاون بين الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية وشركات التقنية، تبدأ بمشاريع تجريبية في العقارات والطاقة والصناعة، وتتطور إلى منظومة استثمارية متكاملة تستقطب المستثمرين من داخل السعودية وخارجها.
ولتصور حجم الفرصة، إذا استطاعت السعودية خلال السنوات العشر المقبلة استقطاب تمويل بقيمة 500 مليار ريال لمشاريع حقيقية باستخدام أدوات الترميز، فإن ذلك سيمثل رافداً مهماً لتمويل التنمية وتنشيط القطاع الخاص. وهذا الرقم سيناريو افتراضي وليس توقعاً رسمياً، لكنه يوضح الإمكانات الكبيرة لهذه التقنية إذا توافرت البيئة التنظيمية والاستثمارية المناسبة.
ونجحت السعودية في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى قوة اقتصادية عالمية، تمتلك اليوم فرصة لقيادة تحول جديد في أسواق المال، يقوم على تحويل أصولها ومشاريعها إلى فرص استثمارية رقمية متاحة لشريحة أوسع من المستثمرين حول العالم. وكما أصبحت قوة عالمية في صناعة الطاقة، فإنها تستطيع أن تصبح قوة عالمية في تمويل الأصول الحقيقية، وأن تجعل من الرياض عاصمة دولية للترميز الرقمي والاستثمار في المشاريع العملاقة.
فالمستقبل لن يكون فقط لمن يمتلك الأصول والثروات، بل لمن يمتلك القدرة على تحويلها إلى فرص استثمارية تجذب رؤوس الأموال وتسرّع التنمية.
استشاري الطاقة والتكنولوجيا
