خلال السنوات الماضية كان سباق الذكاء الاصطناعي واضحا. من يملك النموذج الأقوى، ومن يستطيع شراء مزيد من الرقائق، ومن يبني مراكز البيانات بشكل أسرع. لكن مع وصول حجم الاستثمارات إلى مئات المليارات من الدولارات، بدأ أثر هذه الاستثمارات يظهر بشكل أوسع على الاقتصاد.
فالذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر في النمو قبل أن نرى بشكل كامل أثره على الإنتاجية. جزء كبير من هذا الأثر جاء من الاستثمار نفسه، من بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتوسعة شبكات الكهرباء ورفع الإنفاق على البنية التحتية الرقمية.ومع زيادة هذه الاستثمارات، أصبح السؤال الأهم هو العائد الذي يمكن أن تحققه على الاقتصاد، وليس فقط حجم ما ينفق على الذكاء الاصطناعي.
ويظهر ذلك بشكل واضح في الولايات المتحدة. فقد قدرت وزارة الخزانة أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي شكلت نحو 30% من نمو الناتج المحلي خلال 2025. وهذا يعكس حجم الإنفاق الكبير الذي دخل إلى الاقتصاد من خلال هذه الطفرة.
فالاستثمار في مركز بيانات لا يذهب إلى شركات التقنية وحدها، بل يمتد إلى الرقائق والكهرباء والإنشاءات والشبكات وأنظمة التبريد، ولهذا أصبح أثر الذكاء الاصطناعي يصل إلى قطاعات بعيدة عن التقنية نفسها.
لكن استمرار هذا الأثر لا يعتمد على زيادة الإنفاق وحدها، بل على قدرة الشركات على تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاجية أعلى. وهذا يعني إنتاج المزيد بالموارد نفسها، وخفض تكلفة بعض الأعمال، وتسريع البرمجة والبحث والتصميم والخدمات المالية، إلى جانب ظهور منتجات ونماذج أعمال جديدة.
وحجم هذا التحسن هو ما سيحدد الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الاقتصاد. فصندوق النقد الدولي يقدر أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين 0.1 و0.8 نقطة مئوية سنويا إلى النمو المحتمل للاقتصاد العالمي. والفارق بين الحدين كبير، ويعكس اختلاف قدرة الاقتصادات على تحويل التقنية إلى إنتاجية وقيمة اقتصادية.
أوروبا تعد مثال جيد على ذلك. فهي تملك بنية رقمية متقدمة ورأسمال بشريا قويا، لكن صندوق النقد يقدر أن تبني الذكاء الاصطناعي دون إصلاحات إضافية قد يرفع الإنتاجية بنحو 1.1% فقط بشكل تراكمي خلال خمس سنوات. التحدي لا يرتبط بالتقنية وحدها، بل أيضا بقدرة الشركات على استخدامها والتوسع بها، إلى جانب تكلفة الطاقة والتنظيم وتوافر رأس المال.
وفي المقابل، تضع شركة Anthropic عدة سيناريوهات لأثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الأمريكي حتى 2030. ففي السيناريو المتوسط، قد يصبح الناتج أعلى بنحو 8.3% مقارنة بمساره دون أثر الذكاء الاصطناعي، بينما يصل الفرق إلى 32.4% في السيناريو الأكثر تطرفا. لكن الشركة تؤكد أن هذه ليست توقعات، بل سيناريوهات تعتمد على سرعة تطور التقنية وانتشار استخدامها وقدرتها على رفع الإنتاجية.
وهذا يوضح أن حجم الاستثمار وحده لن يكون كافيا لقياس نجاح هذه الطفرة. فالإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات أعطى الاقتصاد دفعة أولى، لكن استمرارها يتوقف على ما تستطيع الشركات فعله بهذه القدرات بعد تشغيلها.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة البناء إلى الاستخدام، سيصبح معيار النجاح مختلفا. فلن يقاس بعدد مراكز البيانات أو حجم الإنفاق، بل بقدرة هذه الاستثمارات على خفض التكلفة ورفع الإنتاجية وخلق قيمة جديدة، ولذلك قد لا يكون من أنفق أكثر هو من استفاد أكثر.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

