بكر عبداللطيف الهبوب
تُظهر بيانات سوق العمل السعودية معدل البطالة العام عند أدنى مستوياته تاريخيًا، وتستمر البرامج الوطنية لخفض بطالة الشباب وسد فجوة "قابلية التوظيف" بتعزيز المهارات العملية والانضباط المهني.
يظل قطاع المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر -وهو عصب الاقتصاد المحلي- ساحةً تتقاطع فيها تحديات التستر التجاري، تمركز النشاط، وتحويلات العمالة المالية للخارج، ما يحد من وصول المواطنين إلى قلب هذه الأنشطة، لا محيطها فقط؛ ما يستدعي موازنة أكثر دقّة بين توطين الوظائف وتوطين الأنشطة الاقتصادية الأساسية.
عند تفحّص بعض الوظائف، نجد أنها ليست غاية في ذاتها، بل بوابات لأبواب أوسع؛ وظائف تكسب صاحبها أبجديات المهارة الأساسية وبداية شبكة علاقات تجعله جزءًا فعّالًا من ماكينة القطاع. فمثلاً مبيعات التجزئة في قطاع الخدمات -كالمبيعات المباشرة، خدمة العملاء، تشغيل المتاجر والمخازن- تقدم مجموعة مهارات تُستثمر لاحقًا في السياحة والضيافة والمطاعم والبنوك والترفيه والنقل والرعاية الصحية والطيران وغيرها. وإذا كانت مبيعات التجزئة "مدرسة المهارات الأساسية" للخدمات.
فإن التشغيل والصيانة والإنتاج يُشكّل "مدرسة الصناعة"، والزراعة الأساسية مع سلاسل الفرز والتعبئة والتوزيع "مدرسة الزراعة"، بينما الحرف الأساسية في التشييد ووظائف اللوجستيات -التخزين والمناولة والنقل وإدارة الأساطيل- تبني قدرات تُترجم لاحقًا إلى وظائف أكبر، مشاريع تجارية صغيرة، ودعم سلاسل الإمداد بأكملها.
من هنا يأتي "التجنيد الاقتصادي" كامتداد طبيعي لهذه الرؤية، وليس قفزةً مفاهيمية بعيدة. المقصود به التزام وطني منظّم يجعل العمل المهيكل في هذه القطاعات شرطًا من شروط التخرّج، بحيث يربط حيازة الشهادة بحد أدنى من الخبرة العملية الفعلية. بمعنى آخر، لا يترك الطالب مقاعد التعليم إلا وقد اختبر السوق من الداخل، وتعرّف على مساراته المتاحة، وبنى رصيدًا مهنيًا أوليًا يُعينه على اتخاذ قراراته بثقة أكبر بعيدًا عن المفاجآت.
التجارب الدولية تُثبت أن هذا ليس تنظيرًا بل مسارًا مجرّبًا ناجحًا. في ألمانيا، "النظام المزدوج" يدمج الدراسة والعمل بعقود تدريب رسمية، وقد أسهم في إبقاء بطالة الشباب عند مستويات منخفضة، ليس فقط مقارنة بالمعدلات الدولية، بل أيضًا دون متوسطها في عديد من دول أوروبا.
وفي سويسرا والدنمارك، تُعدّ فترات العمل جزءًا أصيلًا من متطلبات التخرّج المهني، بينما طوّرت سنغافورة تعليمًا تقنيًا يرتكز على التعلم المباشر في بيئة العمل، فأصبح الانتقال من الجامعة إلى الوظيفة خطوة متسلسلة لا قفزة في الفراغ. ما يجمع هذه النماذج هو اعتبار العمل مكوّنًا أساسيًا في التعليم، لا مرحلة تُضاف إليه لاحقًا.
ويمكن تجسيد هذا في نموذج عملي للتجنيد الاقتصادي السعودي، بمسار متدرج يبدأ من الثانوية، يمر بالدبلوم المهني، وصولًا للجامعة، بحيث يجمع الطالب بين الدراسة والخبرة العملية المتخصصة، ويكتسب شبكة علاقات ومهارات مهنية قبل التخرج، مؤسسًا جيلًا قادرًا على توطين القيمة الاقتصادية وليس الوظائف فقط. يستند هذا التوجه إلى رصيد تجارب في برامج مثل "تمهير" للخريجين، والتدريب التعاوني الجامعي، ومنظومة التدريب التقني الواسعة. هذه المبادرات نجحت في تحسين قابلية التوظيف، لكنها ما زالت جزئية واختيارية.
إنَّ "التجنيد الاقتصادي" يرفعها إلى مستوى أعلى بتجميعها في إطار وطني موحّد، إلزامي كشرط تخرّج، موجَّه نحو احتياجات القطاعات والمناطق. التجارب الدولية تؤكّد أن ألمانيا لم يُحدِث "النظام المزدوج" فرقًا إلا بتحويله إلى مسار مؤسسي واسع يربط التعليم بسوق العمل مباشرة. فالنجاح ليس في "وجود البرامج"، بل في جعلها قاعدة عامّة.
هذا التوجيه الإقليمي يكتسب أهميةً خاصة؛ فاحتياجات المدن الكبرى للتجزئة تختلف عن المدن الصناعية أو المناطق الزراعية أو مناطق التوسُّع العمراني. عندما تُصمّم التجارب العملية وفق هذه الخصوصيات، يُصبح البرنامج أداة فعّالة لدعم التنمية الإقليمية، مواءمًا بين مخرجات التعليم وفرص الاقتصاد المحلي بدلًا من التعميم.
تكمن القيمة الأعمق في الموازنة بين "توطين الوظائف" و"توطين الأنشطة". يمكن تحقيق نسب توطين مرتفعة وظيفيًا بينما تظلّ السيطرة الاقتصادية -من قرارات الشراء إلى توزيع العوائد- بيد غير سعوديين عبر تستر أو منشآت اسمية. يُعِدُّ "التجنيد الاقتصادي" قاعدةً من الممارسين القادرين على فهم هذه الأنشطة والدخول إليها لاحقًا كملاك أو شركاء حقيقيين أو مديرين فاعلين.
نجاح هذه السياسة مشروط بحوكمة دقيقة من خلال معايير اعتماد للمنشآت، عقود واضحة، مكافآت مالية مناسبة، ساعات متوازنة مع الدراسة، ورقابة تربط استمرار المنشآت بجودة التجربة، مع ربط المخرّجين بكيانات مهنية وطنية. على المدى المتوسط، تكلفته أقل بكثير من فجوة المهارات، تعثُّر الشباب، والتسرُّب الاقتصادي للخارج. فهو استثمار في كفاءة السوق واستدامتها بقدر ما هو في الأفراد.
إنَّ "التجنيد الاقتصادي" إعادة هندسة ذكية لثلاثية التعليم والعمل والأعمال؛ لا يُلزم أحدًا بمسار واحد، بل يضمن لكل خريج حدًا أدنى من الخبرة العملية المشتركة التي تسبق التخصص وتمنحه بوصلة واقعية لاختياراته.
وكما يحمي التجنيد العسكري حدود الوطن، يحمي "التجنيد الاقتصادي" أسواقه بعملٍ منتجٍ، وحضورٍ سعوديِّ فعّال في مفاصل النشاط الاقتصادي، وانتقالٍ مدروسٍ من توطين الوظيفة إلى توطين القيمة والإنتاجية نفسها.
مستشار قانوني
