الأحد, 1 نوفمبر 2026|20 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

وافق مجلس الوزراء في جلسته الثلاثاء الماضي برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء على نظام المعاملات التجارية وقد أكد الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي وزير التجارة أن موافقة المجلس على النظام تأتي لتنظيم أحكام العقود التجارية وتشمل البيع التجاري والبيع بالتوريد والوساطة والوكالة التجارية ويسمح لمن بلغ 15 عامًا بممارسة التجارة بضوابط محددة ويتكامل النظام تشريعيًا مع نظام المعاملات المدنية لتحفيز البيئة التجارية والاستثمارية.

ويحتوي النظام على (271 مادة) تحدد صفة الأعمال التجارية والتاجر والمتجر والسجلات المحاسبية والعقود وغيرها؛ ما يدل على عزم وزارة التجارة على تنظيم هذا القطاع بشكل يعيد الشباب للأعمال الحرة برغبة وإقبال بعد أن اتجه معظمهم إن لم نقل جميعهم في السنوات الماضية للوظائف ذات الدخل المحدود والضمان الوظيفي الذي لا يحقق إلا الحد الأدنى من الطموحات.

وواكب ذلك إحجام الأغلبية عن الدخول في عالم التجارة، ما جعل التجارب التجارية الناجحة، أو أعداد الداخلين في الأنشطة التجارية الذين يتحولون من طالبي وظائف إلى منتجين لفرص العمل لغيرهم، محدودة. ولا تزال الذاكرة تحتفظ بتجارب ناجحة لأشخاص قلائل، كان بعضهم يعمل في وظائف حكومية أو في شركة أرامكو، ويتقاضون رواتب كبيرة بمقاييس ذلك الوقت، لكنهم استقالوا واتجهوا إلى العمل الحر، فأصبحوا من أصحاب الثروات المعروفين.

كما أن مناطق بلادنا خرج منها رجال أعمال اختاروا العمل الحر وتفوقوا فيه في مراحل سابقة، كما ظهرت تجارب للجيل الجديد ممن أسسوا كيانات تجارية ناجحة في قطاعات مختلفة، إلا أن هذه القصص تعد محدودة مقارنة بمن جذبهم بريق الوظيفة واستقرار مداخيلها.

والآن يعطي النظام الجديد الفرصة للشباب للدخول في عالم ريادة الأعمال مبكرًا متيحًا لهم فرصة التعلم واكتساب الخبرات والبداية في المنافسة تجعلهم كمن ينطلق في السباق ليحقق ربحا ماديا ويتعلم بالممارسة حتى من التعثر إذا كانت الرؤية واضحة له والتفرغ للتجارة حافز للنجاح.

ويوفر نظام المعاملات التجارية الذي يبدأ العمل به بعد (180 يومًا) من نشره في الجريدة الرسمية حمايته لتعاملات التجار والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ويساعدها على التوسع من خلال إبرام العقود التجارية والعمل بالوكالة، ويتكامل مع الإستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي أقرها مجلس الوزراء سبتمبر الماضي.

ويعزز نظام المعاملات التجارية المنافسة المشروعة بين التجّار، ويشجعها، ويمنع قيام التاجر بإلحاق الضرر بالمنافس ويبين حقوق المتضرر في اللجوء للمحكمة بطلب وقف الضرر والمطالبة بالتعويض.

واعتنى النظام بالعقود التجارية، ونظم لأول مرة في وثيقة واحدة لأحكام البيع التجاري والبيع بالتوريد والوكالة التجارية والوساطة مبينًا الأحكام التي تكفل حماية الحقوق. ومن خلال استعراض النظام الجديد نجد تطورًا كبيرًا وبديلاً أكثر شمولاً يتناسب مع اهتمام الدولة المستمر منذ مرحلة التأسيس بأنظمة التعاملات التجارية عند توحيد البلاد على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله، حيث ظهرت الحاجة الماسة لتنظيم الأنشطة الاقتصادية لضبط السوق الناشئة، وتنظيم حركة التجارة مع الخارج، وتمثلت البدايات في صدور نظام تسجيل الشركات عام 1928 وعدد من الأنظمة ذات العلاقة بالجمارك وتنظيم حركة البضائع والحدود.

ومع تأسيس وزارة التجارة عام 1954 ودخول السعودية عصر الطفرة الاقتصادية وتوسع الأسواق ظهرت الحاجة إلى سن قوانين متخصصة تدعم النظام التجاري العام، فشكلت الركائز الثلاث التي حكمت السوق السعودية لعقود، وهي: نظام الأوراق التجارية عام 1964، الذي جاء مواكبًا لظهور المعاملات الائتمانية الحديثة ونظام الدفاتر التجارية لتكون حجة قانونية أمام القضاء وضابطًا رقابيًا وماليًا، كما صدر نظام الشركات الأول عام 1965، ونظام السجل التجاري ونظام الوكالات التجارية.

وأخيرًا: جاءت مرحلة التحديث الشامل للأنظمة وفق رؤية 2030 وشهدت البيئة التشريعية نقلة نوعية لإعادة صياغة القوانين بما يتوافق مع المعايير الدولية حيث تم استبدال النصوص القديمة بحزمة تشريعات عصرية، ومن أبرزها: نظام الإفلاس المستحدث لحماية المتعثرين، وإعادة الهيكلة المالية بدلًا من القواعد التقليدية، ونظام الشركات الجديد الذي يتيح مرونة كبيرة واستحدث شكل الشركات المساهمة المبسطة لدعم رواد الأعمال.

وبعد كل ذلك تبقى عودة الشباب والفتيات إلى قطاع الأعمال بدل انتظار الوظائف، واستثمار الفرص اللامنتهية في سوق ناشئة وواسعة، يتناسب مع مكانة السعودية واقتصادها الذي أهلها لتكون ضمن دول العشرين الأعظم اقتصاداً في العالم، وليعود هؤلاء الأبناء لتحريك مفاصل الاقتصاد والتجارة مثلما كان أسلافهم الذين بنوا الحركة التجارية في السعودية بكل مجالاتها، حيث أصبحت التسهيلات كثيرة سواء من حيث مرونة الأنظمة التي تعمل وزارة التجارة بقيادة وزيرها الذي واكب هذا القطاع باهتمام لمراجعتها وكذلك التسهيلات المصرفية التي تدعم رواد الأعمال بشكل غير مسبوق.

كاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية