الأحد, 27 سبتمبر 2026|14 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

عرّفت المادة الأولى من اللائحة "خدمات السفر والسياحة" تعريفًا واسعًا يشمل ترتيبها وتنظيمها وتقديمها، كالرحلات والبرامج السياحية، وتذاكر السفر، والتأشيرات، والأنشطة السياحية، وحجز مرافق الضيافة، وخُتم التعريف بعبارة "ونحو ذلك". لكنها لم تعرّف "البيع" و"التسويق" و"التقديم" و"الترتيب" و"الإعداد" و"التنفيذ"، رغم استخدامها في المادة الرابعة لتوزيع الاختصاص بين فئتي "وكالة سفر وسياحة" و"خدمات سفر وسياحة عام". والسؤال: هل اختصاص فئة بالترتيب أو الإعداد أو التنفيذ يمنع وكالة السفر من بيع خدمة، أو بيع مكوّن من مكوّنات البرنامج السياحي؟

ولفهم موضع "البيع"، تفيد العودة إلى التنظيمات السابقة؛ إذ ميّز "بيع" التذاكر تاريخيًا بين الوكالات التي تصدرها وتبيعها، وتلك التي تبيعها دون إصدارها، فيما وُصفت بقية الأعمال بالتسويق والتنظيم والترتيب، رغم تقديمها بمقابل. فالبيع هو المُخرج التجاري للخدمة، وإن اختلفت ممارستها. وإذا وقعت المشكلة قديمًا في الخلط بين البيع والإصدار، فقد عادت اليوم في الخلط بين البيع واختصاص الممارسة.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالمادة الرابعة نصت للوكالة على بيع وتسويق تذاكر السفر والخدمات المرتبطة بها، وحجوزات الإقامة والبرامج السياحية، وتقديم وترتيب خدمات أخرى، ومنحت فئة "عام" جميع خدمات الوكالة، إضافة إلى إعداد البرامج وتنفيذها وترتيب خدمات أخرى. وفي الدليل ظل "البيع" بيعًا في التذاكر والبرامج، متميزًا عن الإصدار في الأولى والإعداد في الثانية. أما في الإقامة والتأمين، فقد ورد "البيع" في اللائحة، ثم غاب عن شرح الدليل وحلّت محله أفعال الممارسة: الحجز وإدارته في الإقامة، والتقديم والتنسيق في التأمين. وبذلك يكون "البيع" مخرجًا تجاريًا في موضع، ووصفًا للممارسة في آخر؛ وينشأ الإشكال حين يُحمّل وجوده أو غيابه أثرًا على قابلية الخدمات الأخرى للبيع.

فالمفردة التي تميّز البيع عن فعل آخر تفقد وظيفتها حين تصبح قيدًا على تداول الخدمة؛ وكأن ما وردت معه يُباع، وما غابت عنه لا يُباع. وهذا ما لا يسنده بناء اللائحة؛ فالمادة 20 تفترض سعرًا للخدمات، والمادة 22 تنظم الدفع وبيان الأسعار. فالخدمات تدخل السوق بمقابل، أما ما توزعه اللائحة فهو الاختصاص بالممارسة: من سوّق؟ ومن قدّم؟ ومن رتّب؟ ومن أعد؟ ومن نفّذ؟ وحين يصبح اختلاف هذه الاختصاصات قيدًا على البيع، يتسع المنع بالتفسير لا بالنص، ويعود إشكال الأمس.

ولا تُقرأ خدمات "وكالة سفر وسياحة" كقائمة مغلقة؛ فالدليل يشرح صور الخدمات وأفعالها، ولا يحصر ما تركته اللائحة مفتوحًا. وتعريف "خدمات السفر والسياحة" خُتم بـ"ونحو ذلك" لأن السوق ينتج صورًا جديدة، فلا تصبح أمثلة الدليل حدًا لنص ممتد. وينطبق ذلك على "الخدمات المرتبطة بها" في تذاكر السفر؛ فأمثلة الدليل شارحة وليست حصرية، واللائحة لم تقصر الارتباط على الخدمات الفنية للتذكرة. فالتذكرة تنقل صاحبها إلى حالة المسافر، وتتصل بسفره خدمات الإقامة والتنقل والزيارة وغيرها، مع اشتراط التعامل مع المرخصين أو المصرح لهم من الوزارة أو المسجلين لدى الجهات المختصة.

ومن هنا، لا يكفي لحظر البيع اختصاص فئة أخرى بترتيب الخدمة أو المكوّن، أو عدم وروده مستقلًا في خدمات الوكالة؛ فالاختصاص يتحدد بالفعل الممارس بشأن الخدمة أو المكوّن، وليس بهما في ذاتهما. وقد يشتري المسافر خدمات متعددة دون أن يعني بيعها أن الوكالة رتبتها أو أعدتها أو نفذتها.

ويمتد هذا التمييز إلى كفاءة السوق والاقتصاد الوطني؛ إذ يحفظ التخصص، ويُبقي الوكالات قنوات بيع لخدمات المرخصين أو المسجلين، فتظل الوساطة والعمولات داخل السوق المحلي. أما تحويل اختصاص فئة بالترتيب أو الإعداد أو التنفيذ إلى منع غيرها من البيع، فيضيّق قنوات البيع المشروعة، وقد يدفع الطلب إلى منصات ووسطاء من خارج السوق، وينقل جانبًا من الإيراد إلى الخارج. والمسألة أوسع من حماية حصة تجارية؛ إنها سلسلة قيمة تتخصص فيها الممارسة وتتعدد فيها منافذ البيع.

وعودة إلى السؤال؛ فإن اختصاص فئة "عام" بترتيب خدمة أو مكوّن لا ينشئ حظرًا غير منصوص عليه على بيع أيٍّ منهما، والبيع لا يتحول بالافتراض إلى ترتيب أو إعداد أو تنفيذ. ومن ثم، يكون محل التفتيش الفعل الممارس بشأن الخدمة أو المكوّن، أما البيع فواقعة تجارية لا تُثبت بذاتها الممارسة خارج الاختصاص؛ فلا يستقيم افتراض الممارسة من واقعة البيع ثم مطالبته بإثبات عدم ممارستها. وضبط هذه الحدود يحفظ التخصص ويوحد التطبيق، ويمنع تحول الاختصاص إلى احتكار غير منصوص عليه، ويحد من مخالفات ترفع تكلفة الامتثال وتضيّق النشاط المشروع وتدفع الوكالات إلى الخروج من السوق.

كاتبة متخصصة في قطاع السفر والسياحة

منتدى الاقتصادية 2026