يتردد كثيراً مصطلح "البحث والتطوير" وكأنه مفهوم واحد، بينما يمثل في الواقع مرحلتين مختلفتين ومتكاملتين في منظومة الابتكار. فالبحث العلمي يولد المعرفة، أما التطوير فيحول تلك المعرفة إلى منتجات وتقنيات وخدمات تحقق قيمة اقتصادية. والخلط بين المرحلتين أحد الأسباب الرئيسية لضعف تحويل مخرجات البحث إلى أثر تنموي مستدام.
يهدف البحث العلمي إلى اكتشاف معرفة جديدة، أو تفسير ظاهرة، أو اختبار فرضية، أو إيجاد حلول علمية لمشكلة قائمة. وتنتهي مخرجاته غالباً إلى أوراق علمية، أو براءات اختراع، أو نماذج أولية، أو إثبات لمفهوم علمي. أما التطوير، فهو المرحلة التي تُحوَّل فيها هذه المعرفة إلى منتجات أو خدمات أو تقنيات قابلة للاستخدام والتسويق.
ولنأخذ مثالاً بسيطاً؛ فابتكار خوارزمية ذكاء اصطناعي لاكتشاف أمراض النباتات يعد إنجازاً بحثياً مهماً، لكن قيمته الاقتصادية لا تتحقق إلا عندما تتحول إلى تطبيق يستخدمه المزارع أو نظام ذكي يعمل في الحقول. وهنا يبدأ دور التطوير، الذي يشمل الهندسة، والتصميم، والاختبار، والتصنيع، والاعتماد، حتى تصل التقنية إلى السوق.
ورغم امتلاك الجامعات والمراكز البحثية آلاف الأوراق العلمية وبراءات الاختراع، فإن نسبة محدودة منها تتحول إلى منتجات تجارية، بسبب ما يعرف بـ "وادي الموت التقني"، وهو الفجوة بين إثبات الفكرة في المختبر ووصولها إلى مرحلة الجاهزية التجارية. ولهذا خصصت كثير من الدول برامج تمويل تستهدف هذه المرحلة تحديداً، لأنها الأكثر مخاطرة والأكثر تأثيراً في تحويل المعرفة إلى اقتصاد.
ولإدارة هذه الرحلة، تعتمد كثير من الدول على مستويات الجاهزية التقنية (TRL)، التي تقيس نضج التقنية منذ الفكرة الأولية وحتى المنتج الجاهز للتشغيل. ويساعد هذا المقياس على توجيه التمويل والاستثمار وفق احتياجات كل مرحلة، كما يؤكد أن نجاح البحث العلمي لا يعني بالضرورة جاهزية التقنية للسوق.
ويختلف كذلك معيار النجاح بين الباحث والمطور؛ فنجاح الباحث يقاس بإسهامه العلمي وجودة مخرجاته البحثية، بينما يقاس نجاح المطور بقدرة التقنية على الوصول إلى المستخدم، وتحقيق قيمة اقتصادية، وتوفير وظائف، وحل مشكلات واقعية. لذلك لا يصح تقييم الباحث بمنطق السوق، كما لا يصح تقييم المطور بعدد الأبحاث المنشورة، لأن لكل منهما دوراً مختلفاً في منظومة الابتكار.
وتشير التجارب الدولية إلى أن الاستثمار في تطوير التقنيات يسهم في رفع الإنتاجية، وتحفيز تأسيس الشركات الناشئة، وتعزيز الصادرات التقنية، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
وفي السعودية، أصبحت منظومة البحث والتطوير والابتكار أحد الممكنات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية 2030. ووفقاً لأحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء، ارتفع الإنفاق على البحث والتطوير خلال عام 2024 بنسبة 30.4% ليبلغ نحو 29.5 مليار ريال، فيما استحوذ قطاع الأعمال على أكبر نسبة من هذا الإنفاق، وهو مؤشر يظهر تنامي دور القطاع الخاص في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تركيزاً أكبر على الحلقة التي تربط البحث بالتطوير، من خلال تعزيز الشراكات بين الجامعات والصناعة، وتوفير التمويل المناسب لمراحل نضج التقنيات، وتحفيز تأسيس الشركات التقنية المنبثقة عن الأبحاث، وتمكين مكاتب نقل التقنية من أداء دورها في التسويق والاستثمار، وليس الاكتفاء بحماية الملكية الفكرية.
إن بناء اقتصاد معرفي تنافسي لا يتحقق بكثرة الأوراق العلمية وحدها، ولا بعدد براءات الاختراع المسجلة، وإنما بقدرتنا على تحويل المعرفة إلى تقنيات، والتقنيات إلى شركات، والشركات إلى صناعات تسهم في تنويع الاقتصاد ورفع جودة الحياة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نقيس نجاح منظومة البحث والتطوير بعدد ما تنشره من أبحاث، أم بعدد ما تنتجه من شركات وتقنيات ووظائف وصادرات؟ إن المستقبل لن يكون للأكثر نشراً، بل للأكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى أثر اقتصادي مستدام.
أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية
