الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الاقتصاد الكلي وأدوات السياسة المالية العامة في الخليج

الأربعاء 8 أكتوبر 2025 15:35 |3 دقائق قراءة



تُعد سياسة المالية العامة إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها الحكومات لضبط جوانب الاقتصاد الكلي، وتتميز هذه السياسة بأهداف واسعة النطاق، حيث تشمل جميع الإيرادات والمصروفات الحكومية. غير أن تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي يأتي على رأس أهدافها الأساسية، وهو ما يسهم بدوره في دفع عجلة النمو طويل الأجل. وفي السيناريو الأمثل، نجد أن إجمالي الناتج المحلي يأخذ اتجاهاً تصاعدياً مستقراً.

تواجه اقتصادات دول الخليج بعض الصعوبات تتعلق بسياسة المالية العامة، ألا وهي كيفية تحقيق استقرار النمو عندما تتفاقم دورات أنشطة الأعمال الناتجة عن التقلبات. وبما أن الإنفاق الحكومي يشكل نسبة كبيرة من إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول، تظل سياسة المالية العامة الأداة الرئيسية لتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي. ومن ثم، يحتاج واضعو السياسات إلى إجابات واضحة عن سؤالين هما:

أولا: هل تُعد سياسة المالية العامة في دول الخليج معاكسة للدورة الاقتصادية في الواقع العملي؟

ثانيا: ما مدى تأثير سياسة المالية العامة في إجمالي الناتج المحلي غير الهيدروكربوني، خصوصاً في فترات الركود التي تشتد فيها الحاجة إلى المساندة؟

أجرينا سلسلة من الدراسات للإجابة على هذين السؤالين الجوهريين المتعلقين بدول الخليج. وكان من بينها ورقة بحثية أعدها بوجيتيك وناهر ونُشرت ضمن عدد ديسمبر 2024 من تقرير أحدث المستجدات الاقتصادية لمنطقة الخليج، شملت تقييماً لمدى تطبيق دول الخليج لسياسة مالية عامة معاكسة للدورة الاقتصادية. وتتجلى هذه السياسة في الارتباط السلبي بين المكون الدوري لنمو إجمالي الناتج المحلي والمكون الدوري للإنفاق الحكومي، وأيضاً في ارتباط إيجابي بين المكونات الدورية لنمو إجمالي الناتج المحلي والإيرادات الحكومية. وتُظهر البيانات هذه العلاقات في معظم اقتصادات الخليج بصورة دقيقة.

وتعد سياسة المالية العامة في دول الخليج متوافقة مع مبادئ السياسة المالية العامة المعاكسة للدورات الاقتصادية. وتُحسب دورية الموازنة باعتبارها معامل الارتباط بين المكون الدوري للوغاريتم إجمالي الناتج المحلي الحقيقي والمكون الدوري لمتغير سياسة المالية العامة المعني.

يتعلق السؤال الثاني بمدى قوة تأثير سياسة المالية العامة على الناتج. وهنا تقوم ورقة بحثية حديثة تضمنها عدد يونيو 2025 من تقرير أحدث المستجدات الاقتصادية لمنطقة الخليج بتقدير حجم المضاعفات المالية لدول الخليج. وفي الدراسات والبحوث الخاصة بالاقتصاد الكلي، فإن مضاعف المالية العامة يعني تأثير أداة مالية معينة (مثل الإنفاق الاستهلاكي الحكومي) في إجمالي الناتج المحلي. فعلى سبيل المثال، يعني مضاعف قدره 0.1 للإنفاق الاستهلاكي الحكومي أن كل دولار ينفق في هذا الاستهلاك يرتبط بزيادة قدرها 0.1 دولار في إجمالي الناتج المحلي غير الهيدروكربوني.

وتشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن مضاعفات الإنفاق في اقتصادات دول الخليج تُعتبر إيجابية وذات دلالة إحصائية، حيث تراوح عادةً بين 0.1 و0.4 وبعبارة أخرى، يسهم الإنفاق الحكومي الاستهلاكي في تعزيز نمو إجمالي الناتج المحلي غير الهيدروكربوني ضمن النطاق المذكور، وإن تفاوت حجم هذا الإنفاق من بلد إلى آخر.

ومن أجل فهم الآثار المترتبة على سياسة تحقيق الاستقرار، قمنا بتقسيم العينة إلى فترات توسع وفترات ركود لاختبار ما إذا كانت المضاعفات تعتمد على حالة الاقتصاد. وهذا الاعتماد على حالة الاقتصاد له صلة بالسياسات، فعندما يكون هناك تراجع في الاقتصاد خلال فترات الهبوط، يمكن للمرء أن يتوقع أن تكون سياسة المالية العامة أكثر فاعلية وتأثيراً.

وعند النظر إلى هذه النتائج مجتمعة، فإنها تكشف عن نقاط القوة التي تتميز بها سياسة المالية العامة في دول الخليج إضافة إلى الحدود المقيدة لها. فعلى الجانب الإيجابي، تعمل سياسة المالية العامة في معظم اقتصادات دول الخليج بشكل معاكس للدورة الاقتصادية، حيث تكون مضاعفات الإنفاق إيجابية في المتوسط وتزداد فاعليتها في فترات الركود، وهي الأوقات التي يصبح فيها تحقيق الاستقرار أولويةً قصوى. غير أن متوسط المضاعفات يظل متواضعاً مقارنة بما سُجِّل في بعض الاقتصادات الأخرى ذات الدخل المرتفع، ناهيك عن أن تأثير الإنفاق خلال فترات التوسع يظل محدوداً. وتؤكد هذه النتائج على أهمية توقيت السياسات وكيفية صياغتها، فالمردود يكون أعلى عندما تُنفّذ حزم التحفيز المالي خلال فترات التراجع الاقتصادي، كما أن مكونات الإنفاق لها دور محوري لتحقيق الفاعلية.

وتهدف مثل هذه الجهود البحثية إلى المساعدة على صياغة سياسات المالية العامة لدول الخليج على نحو أفضل. ويمكن في المستقبل، ومن خلال دراسات تقوم على أسس دقيقة، تحديد فئات الإنفاق وآليات التنفيذ التي تسهم في تحقيق أكبر أثر في النمو وتوفير أفضل المنافع المرتبطة بتعزيز قدرة اقتصادات دول الخليج على الصمود.

خبراء اقتصاديون في البنك الدولي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية