في إبريل الماضي، اهتزت معايير التجارة العالمية بفعل إعلان الولايات المتحدة فرض تعريفات جمركية مهولة. ونظرا لما تتسم به الفترة الحالية من تعقيدات وتقلبات، عرض تقريرنا الصادر في أبريل مجموعة من التقديرات خفضت توقعات النمو، وتراوحت بين معتدلة وكبيرة، الأمر الذي يتوقف على مدى حدة الصدمة التجارية في نهاية المطاف.
وبعد مُضي 6 أشهر، كيف أصبح وضعنا الآن؟ النبأ السار هو أن تخفيض توقعات النمو واقع في الطرف المعتدل من نطاق التقديرات. والأسباب واضحة. فقد تفاوضت الولايات المتحدة بشأن صفقات تجارية مع بلدان مختلفة وقدمت إعفاءات متعددة. وامتنع معظم البلدان عن اتخاذ إجراءات انتقامية، وحافظت بدلا من ذلك على انفتاح النظام التجاري بشكل كبير. وأثبت القطاع الخاص أيضا قدرته على سرعة التكيف، متخذا خطوات استباقية للحصول على الواردات وتحرك بشكل سريع لتحويل مسار سلاسل الإمداد.
والنتيجة هي أن زيادة التعريفات الجمركية وتأثيرها جاء أقل من المتوقع حتى الآن. فنتوقع حاليا بلوغ النمو العالمي 3.2% هذا العام و3.1% العام المقبل، أي بتخفيض تراكمي يبلغ 0,2% منذ صدور تنبؤاتنا منذ عام مضى.
هل لنا أن نستخلص نتيجة مفادها أن الصدمة الناجمة عن طفرة التعريفات الجمركية لم تؤثر في النمو العالمي؟ سيكون ذلك سابقا لأوانه وغير صحيح على حد سواء.
سابق لأوانه لأن معدل التعريفات الجمركية الفعلية في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعا، والتوترات التجارية لا تزال متوهجة في ظل عدم وجود أي ضمان بعقد اتفاقات تجارية دائمة بعد.
وتشير التجارب السابقة إلى أن الأمر قد يستغرق وقتا طويلا قبل ظهور الصورة الكاملة. وحتى وقتنا هذا، يبدو أن مسألة التعريفات الجمركية تقع على عاتق المستوردين الأمريكيين، حيث تظل أسعار الواردات في معظمها (مع استبعاد التعريفات الجمركية) دون تغيير، مع ارتفاع أسعار البيع بالتجزئة ارتفاعا محدودا. ولكنهم قد يعمدون برغم ذلك إلى نقل التكاليف إلى المستهلكين في الولايات المتحدة، مثلما أقدم بعضهم على ذلك بالفعل، وقد يتحول مسار التجارة بصورة دائمة، مع ما يسفر عنه من خسائر عدم الكفاءة على مستوى العالم.
غير صحيح لأن هناك قوى اقتصادية أخرى إلى جانب السياسة التجارية تقوم بدور موازٍ. ففي الولايات المتحدة، تشديد سياسات الهجرة يسبب انكماش عرض العمالة المولودة في الخارج – وتلك صدمة عرض سالبة أخرى إضافة إلى صدمة التعريفات الجمركية. وتسنى حتى الآن موازنتها من خلال تباطؤ الطلب على العمالة، واستقرار معدلات البطالة.
ولا تزال الأوضاع المالية مُيَسَّرة، فقد تراجع الدولار في النصف الأول من العام، والاستثمار المدفوع بالذكاء الاصطناعي آخذ في الازدهار. وهذه القوى إلى جانب الطلب تدعم النشاط، بينما تزيد الضغوط على الأسعار بفعل صدمات العرض السالبة.
وفي الاقتصادات المتضررة من التعريفات، تساعد ديناميكيات أخرى على تخفيف وطأة الضربة. فتجتاز الصين الارتفاع في التعريفات من خلال سعر الصرف الحقيقي الأضعف، وإعادة توجيه صادراتها إلى آسيا وأوروبا، فضلا على الدعم من المالية العامة. وتوسع المالية العامة في ألمانيا يرفع النمو في منطقة اليورو.
هذا كما عاد تيسير الأوضاع المالية العالمية بالنفع على اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وهو ما يرجع بشكل جزئي إلى انخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي، كما أنها لا تزال تبرهن على قوة صمودها انعكاسا في جانب منه إلى المكاسب التي حققتها بشق الأنفس من تقوية أطر سياساتها.
ومع هذا، برغم تعدد المحركات الموازِنة، فصدمة التعريفات الجمركية تزيد من ضعف آفاق النمو المتراجعة بالفعل. ونتوقع تباطؤ الاقتصاد في النصف الثاني من العام الحالي، وتعافيه جزئيا فحسب في 2026، ومقارنة بتوقعات أكتوبر الماضي، من المتوقع أن يظل التضخم أعلى بشكل مطرد. وحتى في الولايات المتحدة، النمو أضعف والتضخم أعلى مما توقعنا العام الماضي – وكلها علامات على وقوع صدمة عرض سالبة.
أستاذ كرسي إس كيه وأنجيلا تشان في الإدارة العالمية في كلية الاقتصاد وكلية هاس لإدارة الأعمال
